نســبة :
همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، وكنيته أبو فراس, وهو من سلالة مضر بن نزار ..وسمي الفرزدق لضخامة وتجهم وجهه. ولقبه الفرزدق ، ومعناها الرغيف ، لقب بذلك لجهامة كانت في وجهه ، وقيل لقبح ودمامته ، إذ كان وجهه كالرغيف المحروق .
حيـاته :
- ولد في كاظمة (في الكويت حاليا) شاعر من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة.
- يشبه بزهير بن أبي سلمى وكلاهما من شعراء الطبقة الأولى، زهير في الجاهليين، والفرزدق في الإسلاميين.
- كان من أشراف قومه ويقال أنه لم يكن يجلس لوجبة وحده أبدا ، وكان يجير من استجار بقبر أبيه ، وجده صعصعة كان محيي الموؤودات وهن البنات التي كانت تدفن قبل الإسلام في الجاهلية .
- هو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل، كان شريفاً في قومه، عزيز الجانب، يحمي من يستجير بقبر أبيه.
- توفي في بادية البصرة .
شعــره :
- نظم في معظم فنون الشعر المعروفة في عصره وكان يكثر الفخر يليه في ذلك الهجاء ثم
المديح .
- مدح الخلفاء الأمويين بالشام ، ولكنه لم يدم عندهم لتشيعه لآل البيت.
- كان معاصرا لجرير والأخطل ، وكانت بينهما صداقة حميمة ، إلا أن النقائض بينهما أوهمت البعض أن بينهم تحاسدا وكرها ، وانشعب الناس في أمرهما شعبتين لكل شاعر منهما فريق .
- يقال ((لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث العربية )) و يتجلى ذلك عندما يعود له الفضل في أحياء الكثير من الكلمات العربية التي اندثرت .
من قوله :
إذا مت فابكيني بما أنا أهـله = فكـل جمـيل قلـته فيّ يصدق
وكم قائل مات الفرزدق والندى = وقائلة مات الندى والفـرزدق
الندي : الكرم
الهجاء :
إن ميزة الهجاء عند الفرزدق هي الفخر أولا، فالشاعر في الهجاء يعتمد على الفخر والاستناد عليه، فبالهجاء ينقض الشاعر على خصمه فيوسعه شتمًا وذلا فيصوره حقيرًا، كما يصور قومه وأهله بأنهم يتصفون بأرذل الصفات وأقبح الطباع، فهم مثلا ضعفاء متخاذلون، بخلاء لا أصل لهم ولا فرع .. وكان هجائه شديدا مقذعا :
يقول الفرزدق يهجو جرير:
إذا أنت يا ابن الكلب ألقتك نهشل = ولم تك في حلف فما أنت صانع
(نهشل: قبيلة)
و يقول الفرزدق مخاطباً الأخطل وكان الأخير نصرانيا :
قبّحَ الإله مِن الصليبُ إلـههُ = واللابسين برانس الرهبانِ
و التابعين جريساً و بُنيـه = والتاركين مساجـد الرحمن
تغشى ملائـكةُ الإله قبورنا = و التغلبيُّ جنازة الشيطان
يعطى كتاب حسابِه بشماله = و كتابنا بأكــفنا الأيمـــان
ويقول الفرزدق لجرير:
أحلامنا تزن الجبال رزانة ً = وتخـــالُـنــا جنـــًا إذا مانجهــلُ
أنا لنضرب رأس كل قبيلةٍ = وأبـوك خـلف أتــانـه يــتـقمــلُ
أتانه : أي حماره
*******
الفخر :
- كان يمزج بين الفخر والهجاء، فالهجاء عنده موضوع في جو فسيح من الفخر والتبجح .
- أما موضوع فخره فهو في قومه ونفسه، وفخره بقومه اشد منه بنفسه، إنه أعز الناس بيتًا وأرفعهم شرفًا وأوسعهم خيرًا وكرمًا، وهم ذوو العقول التي توازي الجبال، والثبات الذي لا يزعزع .
- لقد برع الفرزدق براعة فائقة في الفخر، ذلك لأن شرف آبائه وأجداده قد مهد له سبيل القول بالفخر، وتطاول على جرير وتحداه أن يأتيه بمثل آبائه وقومه :
أولئك آبائي فجئني بمثلهم = إذا جمعتنا ياجرير المجامع
- وفي فخره بقومه يصفهم بالمكارم التي كان العرب يفاخرون بها، ككثرة العدد وحماية الجار والبأس في القتال، وشرف المنزلة، وقري الضيف، ونباهة الذكر، ورجاحة العقل. ثم يعدد آباءه ويذكر مآثر كل منهم.. حتى أن الفرزدق يستغل بعض الحوادث التي هجاه بها خصمه جرير، فيجيد الاعتذار لها ويحولها على فخر، فهو حين عجز عن قتل الأسير الرومي الذي دفع إليه قال:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم = إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
- وهذه أبيات يفخر الفرزدق فيها بنفسه وبقومه، فيقول :
إن الذي سمك السماء بنى لنا = بيتًا دعائمه أعز وأطول
أحلامنا تزن الجبال رزانـة = وتخالنا جنًا إذا ما نجهـل
أحلامنا : عقولنا
نجهل : المقصود نغضب
*******
المدح :
- مدح الفرزدق خلفاء بني أمية على أنهم أولى الناس بتراث الخلافة، وأحق الناس بالملك، وهم كالقمر يهتدي به، وسيوفهم هي سيوف الله التي يضرب بها الأعداء، وإذا النصر حليفهم، لأن الله معهم .
- ومن الأخبار التي وردت في كتب التراث أن : هشام بن عبد الملك قدم للحج برفقة حاشيته وقد كان معهم ( الفرزدق) وكان البيت الحرام مكتظاً بالحجيج في تلك السنه ولم يفسح له المجال للطواف فجلب له متكأ ينتظر دوره وعندما قدم الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام انشقت له صفوف الناس حتى أدرك الحجر الاسود .. فثارت حفيظة هشام وأغاظه ما فعلته الحجيج للامام .. فسأله أحد مرافقيه عنه فقال هشام بن عبد الملك : لا أعرف!؟
فأجابه الفرزدق بهذه القصيدة :
هذا الذي تعرف البطحاء وطئته = والبيت يعرفه والحــلُّ والحـرمُ
هـذا بن خير عباد الله كُـلُّهمُ = هـذا التــقي النـقي الطـاهرُ العــلمُ
هذا بن فاطمةٍ انْ كنت جاهله = بجــده انبــياء الله قــد خـتـمـوا
وليس قولك منْ هذا؟ بضـائره = العرب تعرف من انكـرت والعجمُ
سهـل الخليـقة لاتخـشى بـوادره = يزينه اثنان حِسـنُ الخـلقِ والشـيمُ
حـمّال اثقـال اقـوام ٍ اذا امتــدحوا = حلـو الشـمائل تحـلو عنـده نعــمُ
ما قال لا قــط ْ الا فـي تشــهـده = لــولا التشـــهّد كانــت لاءه نـعمُ
عــمَّ البـرية بالاحسـان فانقشـعت = عنـها الغياهب والاملاق والعدمُ
اذا رأتـه قــريش قــال قائــلـها = الى مكــارم هــذا ينتــهي الكــرمُ
يُغـضي حياءً ويغضي من مهابته = فـلا يكـلـُّم الا حـيـن يبتســمُ
الوصف :
كان الفرزدق واسع الخيال، دقيق الملاحظة، جيد القصص، مما ساعده على أن يكون من أبرع الوصافين في العهد الأموي، أما موصوفاته فكثيرة، منها ما هو منتزع من البادية كالذئب، ومنها ما هو من حياة الحضر كالسفينة .. ويصطبغ وصف الفرزدق أحيانًا بصبغة القصص الذي يحسن الشاعر سرده، كما يمتاز بالتقرب من الحيوان المفترس والعطف عليه، ففي وصفه للذئب يظهر استعدادًا لأن يلبس ذلك الوحش من ثيابه وأن يقاسمه زاده.
فلما دنا قلت ادن دونك إنني = وإياك في زادي لمشتركان
فبت أسوي الزاد بيني وبينه = على ضوء نار مرة ودخان
حيث يقول الشاعر في البيتين الأخيرين للذئب حينما كان يشوى شاة : اقترب مني فأنت ونيسي اليوم وخلي .. ثم أصبح يقسم الطعام بينه وبين الذئب .
أسلوبه :
- لم يكن للإسلام والقرآن الكريم أثرهما العميق لا في حياة الفرزدق العملية ولا في شعره، كان في حياته ماجنًا لاهيًا، لاهم له إلا السعي وراء لذائذه .
- كانت طبيعته بدوية خشنة جافية، فكان أسلوبه في شعره صدى لطبيعته، وانعكاسًا لها، فاستأثرت به الجزالة والقوة وغرابة الألفاظ ، وخشونتها وبداوة الصور، وغلبت هذه الطوابع على شعره عامة حتى على الغزل الذي تلائمه الرقة والعذوبة.
- على أن أسلوب الفرزدق اتصف بأنه كان صورة لأساليب الفصحاء من شعراء الجاهلية في فصاحته وجزالته وغرابة ألفاظه وسعة مفرداته حتى قالوا – كما ذكرنا- :
( لو لا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب )
- ورووا عن أبي عمرو بن العلاء قوله :
( لم أر بدويًا أقام في الحضر إلا فسد لسانه غير الفرزدق ورؤبة )
- لم تكن سليقة الفرزدق الشعرية مطواعًا له، سريعة الاستجابة والانقياد كسليقتة جرير، بل كان يلقى عناء شديدًا في نظم شعره حتى رووا عنه قوله:
( أنا عند الناس أشعر الناس، وربما مرت علي ساعة ونزع ضرس أهون علي من أن أقول بيتًا واحدًا )
- وكان للفرزدق ميلٌ إلى إطالة النظر في شعره، كما هو الأمر لدى الشاعر زهير بن أبي سلمى، إلا أن عنايته بشعره لم تحل دون الوقوع في التعقيد والخروج على قواعد النجاة في كثير من أشعاره، فإذا انتقده أرباب اللغة والنحو أجابهم:
( علي أن أقول وعليكم أن تحتجوا )
على أنه من الإنصاف القول: إن الفرزدق لم يكن يعرف بسعة مادته اللغوية فحسب، بل عرف بسعة اطلاعه على أيام العرب وأخبارهم ووقائعها، حتى قالوا أيضا :
( لولا الفرزدق لضاع نصف أخبار الناس )
القيمة الفنية لشعره :
- الفرزدق شاعر بدوي النزعة، ميال إلى الفخر والتبجح، ومن ثم كان أسلوبه بدويًا في نحت ألفاظه نحتًا، وكان شعره وقفًا على الخاصة، وإن لم يخل من الأبيات المأثورة .
- وهو يشعر أنه لا يحن للنسيب الرقيق، ولهذا نراه لا يلتزم الديباجة الغزلية في كثير من قصائده، بل يهجم على موضوعه باندفاع، وهو إلى ذلك يتجاوز قوانين النحو المشهورة، كما يتجاوز قوانين البيان..
- هذا وقد اتسم الشاعر بنفسية متناقضة نراها في نزعاته السياسية والمعنوية والأخلاقية، فهو متقلب في عاطفته وإخلاصه ومتلون في رغباته ومنافعه، لذلك لا نكاد نلمس صدق العاطفة إلا في مدح آل البيت، أما في سواهم فيعمد الشاعر إلى الغلو والمداهنة ليغطي ضعف العاطفة.
بقلم الشاعر/ خالد سليم
