الفرزدق

نســبة :

همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، وكنيته أبو فراس, وهو من سلالة مضر بن نزار ..وسمي الفرزدق لضخامة وتجهم وجهه. ولقبه الفرزدق ، ومعناها الرغيف ، لقب بذلك لجهامة كانت في وجهه ، وقيل لقبح ودمامته ، إذ كان وجهه كالرغيف المحروق .

حيـاته :

- ولد في كاظمة (في الكويت حاليا) شاعر من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة.

- يشبه بزهير بن أبي سلمى وكلاهما من شعراء الطبقة الأولى، زهير في الجاهليين، والفرزدق في الإسلاميين.

- كان من أشراف قومه ويقال أنه لم يكن يجلس لوجبة وحده أبدا ، وكان يجير من استجار بقبر أبيه ، وجده صعصعة كان محيي الموؤودات وهن البنات التي كانت تدفن قبل الإسلام في الجاهلية .

- هو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل، كان شريفاً في قومه، عزيز الجانب، يحمي من يستجير بقبر أبيه.

- توفي في بادية البصرة .

شعــره :

- نظم في معظم فنون الشعر المعروفة في عصره وكان يكثر الفخر يليه في ذلك الهجاء ثم
المديح .

- مدح الخلفاء الأمويين بالشام ، ولكنه لم يدم عندهم لتشيعه لآل البيت.
- كان معاصرا لجرير والأخطل ، وكانت بينهما صداقة حميمة ، إلا أن النقائض بينهما أوهمت البعض أن بينهم تحاسدا وكرها ، وانشعب الناس في أمرهما شعبتين لكل شاعر منهما فريق .

- يقال ((لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث العربية )) و يتجلى ذلك عندما يعود له الفضل في أحياء الكثير من الكلمات العربية التي اندثرت .

من قوله :
إذا  مت  فابكيني  بما  أنا أهـله = فكـل جمـيل قلـته فيّ  يصدق
وكم قائل مات الفرزدق والندى = وقائلة مات الندى والفـرزدق

الندي : الكرم

الهجاء :

إن ميزة الهجاء عند الفرزدق هي الفخر أولا، فالشاعر في الهجاء يعتمد على الفخر والاستناد عليه، فبالهجاء ينقض الشاعر على خصمه فيوسعه شتمًا وذلا فيصوره حقيرًا، كما يصور قومه وأهله بأنهم يتصفون بأرذل الصفات وأقبح الطباع، فهم مثلا ضعفاء متخاذلون، بخلاء لا أصل لهم ولا فرع .. وكان هجائه شديدا مقذعا :
يقول الفرزدق يهجو جرير:
إذا أنت يا ابن الكلب ألقتك نهشل = ولم تك في حلف فما أنت صانع
(نهشل: قبيلة)
و يقول الفرزدق مخاطباً الأخطل وكان الأخير نصرانيا :

قبّحَ الإله مِن  الصليبُ إلـههُ = واللابسين برانس الرهبانِ
و التابعين   جريساً  و بُنيـه = والتاركين مساجـد الرحمن
تغشى ملائـكةُ  الإله قبورنا = و التغلبيُّ  جنازة الشيطان
يعطى كتاب  حسابِه بشماله = و كتابنا   بأكــفنا الأيمـــان

ويقول الفرزدق لجرير:

أحلامنا تزن الجبال رزانة ً = وتخـــالُـنــا جنـــًا إذا مانجهــلُ

أنا لنضرب رأس كل قبيلةٍ = وأبـوك خـلف أتــانـه يــتـقمــلُ

أتانه : أي حماره
*******

الفخر :

- كان يمزج بين الفخر والهجاء، فالهجاء عنده موضوع في جو فسيح من الفخر والتبجح .

- أما موضوع فخره فهو في قومه ونفسه، وفخره بقومه اشد منه بنفسه، إنه أعز الناس بيتًا وأرفعهم شرفًا وأوسعهم خيرًا وكرمًا، وهم ذوو العقول التي توازي الجبال، والثبات الذي لا يزعزع .
- لقد برع الفرزدق براعة فائقة في الفخر، ذلك لأن شرف آبائه وأجداده قد مهد له سبيل القول بالفخر، وتطاول على جرير وتحداه أن يأتيه بمثل آبائه وقومه :

أولئك آبائي فجئني بمثلهم = إذا جمعتنا ياجرير المجامع

- وفي فخره بقومه يصفهم بالمكارم التي كان العرب يفاخرون بها، ككثرة العدد وحماية الجار والبأس في القتال، وشرف المنزلة، وقري الضيف، ونباهة الذكر، ورجاحة العقل. ثم يعدد آباءه ويذكر مآثر كل منهم.. حتى أن الفرزدق يستغل بعض الحوادث التي هجاه بها خصمه جرير، فيجيد الاعتذار لها ويحولها على فخر، فهو حين عجز عن قتل الأسير الرومي الذي دفع إليه قال:

ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم = إذا أثقل الأعناق حمل المغارم

- وهذه أبيات يفخر الفرزدق فيها بنفسه وبقومه، فيقول :

إن الذي سمك السماء بنى لنا = بيتًا دعائمه أعز وأطول

أحلامنا تزن الجبال  رزانـة = وتخالنا جنًا إذا ما نجهـل

أحلامنا : عقولنا
نجهل : المقصود نغضب

*******

المدح :

- مدح الفرزدق خلفاء بني أمية على أنهم أولى الناس بتراث الخلافة، وأحق الناس بالملك، وهم كالقمر يهتدي به، وسيوفهم هي سيوف الله التي يضرب بها الأعداء، وإذا النصر حليفهم، لأن الله معهم .

- ومن الأخبار التي وردت في كتب التراث أن : هشام بن عبد الملك قدم للحج برفقة حاشيته وقد كان معهم ( الفرزدق) وكان البيت الحرام مكتظاً بالحجيج في تلك السنه ولم يفسح له المجال للطواف فجلب له متكأ ينتظر دوره وعندما قدم الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام انشقت له صفوف الناس حتى أدرك الحجر الاسود .. فثارت حفيظة هشام وأغاظه ما فعلته الحجيج للامام .. فسأله أحد مرافقيه عنه فقال هشام بن عبد الملك : لا أعرف!؟

فأجابه الفرزدق بهذه القصيدة :

هذا الذي تعرف البطحاء وطئته = والبيت  يعرفه  والحــلُّ   والحـرمُ

هـذا  بن   خير عباد  الله   كُـلُّهمُ = هـذا  التــقي النـقي الطـاهرُ العــلمُ

هذا بن   فاطمةٍ  انْ كنت جاهله  = بجــده  انبــياء  الله  قــد   خـتـمـوا

وليس  قولك  منْ هذا؟  بضـائره = العرب تعرف من انكـرت والعجمُ

سهـل الخليـقة  لاتخـشى  بـوادره = يزينه اثنان حِسـنُ الخـلقِ والشـيمُ

حـمّال اثقـال اقـوام ٍ اذا امتــدحوا = حلـو الشـمائل تحـلو  عنـده  نعــمُ

ما قال لا قــط ْ الا  فـي  تشــهـده = لــولا التشـــهّد كانــت  لاءه  نـعمُ

عــمَّ البـرية بالاحسـان فانقشـعت = عنـها  الغياهب  والاملاق والعدمُ

اذا  رأتـه قــريش قــال   قائــلـها = الى مكــارم هــذا  ينتــهي الكــرمُ

يُغـضي حياءً ويغضي من مهابته = فـلا    يكـلـُّم   الا  حـيـن  يبتســمُ


الوصف :

كان الفرزدق واسع الخيال، دقيق الملاحظة، جيد القصص، مما ساعده على أن يكون من أبرع الوصافين في العهد الأموي، أما موصوفاته فكثيرة، منها ما هو منتزع من البادية كالذئب، ومنها ما هو من حياة الحضر كالسفينة  .. ويصطبغ وصف الفرزدق أحيانًا بصبغة القصص الذي يحسن الشاعر سرده، كما يمتاز بالتقرب من الحيوان المفترس والعطف عليه، ففي وصفه للذئب يظهر استعدادًا لأن يلبس ذلك الوحش من ثيابه وأن يقاسمه زاده.

فلما دنا قلت ادن دونك إنني = وإياك في زادي  لمشتركان

فبت أسوي الزاد بيني وبينه = على ضوء نار مرة ودخان

حيث يقول الشاعر في البيتين الأخيرين للذئب حينما كان يشوى شاة : اقترب مني فأنت ونيسي اليوم وخلي .. ثم أصبح يقسم الطعام بينه وبين الذئب .


أسلوبه :

- لم يكن للإسلام والقرآن الكريم أثرهما العميق لا في حياة الفرزدق العملية ولا في شعره، كان في حياته ماجنًا لاهيًا، لاهم له إلا السعي وراء لذائذه .

- كانت طبيعته بدوية خشنة جافية،  فكان أسلوبه في شعره صدى لطبيعته، وانعكاسًا لها، فاستأثرت به الجزالة والقوة وغرابة الألفاظ ، وخشونتها وبداوة الصور، وغلبت هذه الطوابع على شعره عامة حتى على الغزل الذي تلائمه الرقة والعذوبة.

- على أن أسلوب الفرزدق اتصف بأنه كان صورة لأساليب الفصحاء من شعراء الجاهلية في فصاحته وجزالته وغرابة ألفاظه وسعة مفرداته حتى قالوا – كما ذكرنا- :

( لو لا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب )

- ورووا عن أبي عمرو بن العلاء قوله :

( لم أر بدويًا أقام في الحضر إلا فسد لسانه غير الفرزدق ورؤبة )

- لم تكن سليقة الفرزدق الشعرية مطواعًا له، سريعة الاستجابة والانقياد كسليقتة جرير، بل كان يلقى عناء شديدًا في نظم شعره حتى رووا عنه قوله:

( أنا عند الناس أشعر الناس، وربما مرت علي ساعة ونزع ضرس أهون علي من أن أقول بيتًا واحدًا )

-    وكان للفرزدق ميلٌ إلى إطالة النظر في شعره، كما هو الأمر لدى الشاعر زهير بن أبي سلمى، إلا أن عنايته بشعره لم تحل دون الوقوع في التعقيد والخروج على قواعد النجاة في كثير من أشعاره، فإذا انتقده أرباب اللغة والنحو أجابهم:

( علي أن أقول وعليكم أن تحتجوا )

على أنه من الإنصاف القول: إن الفرزدق لم يكن يعرف بسعة مادته اللغوية فحسب، بل عرف بسعة اطلاعه على أيام العرب وأخبارهم ووقائعها، حتى قالوا أيضا :

( لولا الفرزدق لضاع نصف أخبار الناس )

القيمة الفنية لشعره :

- الفرزدق شاعر بدوي النزعة، ميال إلى الفخر والتبجح، ومن ثم كان أسلوبه بدويًا في نحت ألفاظه نحتًا، وكان شعره وقفًا على الخاصة، وإن لم يخل من الأبيات المأثورة .

- وهو يشعر أنه لا يحن للنسيب الرقيق، ولهذا نراه لا يلتزم الديباجة الغزلية في كثير من قصائده، بل يهجم على موضوعه باندفاع، وهو إلى ذلك يتجاوز قوانين النحو المشهورة، كما يتجاوز قوانين البيان..

-    هذا وقد اتسم الشاعر بنفسية متناقضة نراها في نزعاته السياسية والمعنوية والأخلاقية، فهو متقلب في عاطفته وإخلاصه ومتلون في رغباته ومنافعه، لذلك لا نكاد نلمس صدق العاطفة إلا في مدح آل البيت، أما في سواهم فيعمد الشاعر إلى الغلو والمداهنة ليغطي ضعف العاطفة.

بقلم الشاعر/ خالد سليم

4 تعليقاً

عمرو بن كلثوم

نسبه:
هو عمرو بن كلثوم بن عمرو بن مالك بن عتّاب بن سعد بن زهير بن جُشَم بن حُبيب بن غنم بن تغلب بن وائل


مولده ووفاته:
على بعض الأقوال أنه ولد سنة 420 للميلاد وتوفى سنة 570م، وتوجد أقوال أخرى مختلفة وبينهما فارق زمني كبير.


صفاته:
كان من أعز الناس نفسًا وأشدهم فخرًا، وساد قومه وهو ابن خمسة عشر عامًا وأصبح شيخ قبيلته، وعمّر طويلا وتوفى عن حوالي مائة وخمسون سنة.


أغراض شعره:
أغلب شعره عمرو بن كلثوم في الفخر والهجاء، وقد قال معلقته على أجزاء في حياته، حتى قيل أنها تبلغ ما يقرب من ألف بيتٍ!، ولكن ما وصل لنا هو ما حفظه الناس منها!، وعمرو بن كلثوم شاعر من المقلين بالفعل ويشهد ذلك ما وصل لنا من شعره بالرغم من عمره الطويل، وسبب ذلك أنه لم يتخذ الشعر كوسيلة يخرج به مشاعره المختلفة إلا مشاعر الفخر والهجاء لأعداء قبيلته، ولذلك فالنسيب في شعره قليل للغاية، ثم أن القصائد في ذلك الزمان كانت تقوم مقام الخطب السياسيةن فما بالكم إذ كان عمرو بن كلثوم هو زعيم أمته.


شيء من حياته:
ارتبط ولادة أمه (ليلى بنت المهلهل ) وولادته هو أيضًا بأساطير، فيقال أن إنّ المهلهل لما تزوج هنداً بنت بعج بن عتبة ولدت له ليلى فقال المهلهل لامرأته هند: اقتليها، على عادة عرب الجاهلية، فلم تفعل أمها، وأمرت خادماً لها أن تغيّبها عنها. فلما نام المهلهل هتف به هاتف يقول:


كم من فتى مؤمَّلِ = وسيّد شَمَرْدَلِ
وعُدّةٍ لا تجْهَلِ = في بطنِ بنتِ مهلهلِ

فاستيقظ مذعوراً وقال: يا هند أين ابنتي، فقالت: قتلتها. قال: كلاّ وإله ربيعة، وكان أول من حلف بها، فأصدقيني. فأخبرته، فقال: أحسني غذاءها، فتزوّجها كلثوم بن عمرو ابن مالك بن عتّاب. فلما حملت بعمرو، قالت: إنه أتاني آتٍ في المنام فقال:

يا لك ليلى من ولد = يُقدِمُ إقدام الأسدْ

من جُشمٍ فيه العددْ  = أقول قيلاً لا فَنَدْ

فولدت عمراً. ولما أتت عليه سنة قالت: أتاني ذلك الآتي في الليل فأشار إلى الصبيّ وقال:

إني زعيمُ لكِ أمَّ عمرو = بماجدِ الجدّ كريم النَّجْرِ
أشجعُ من ذي لبيدٍ هزبرِ = وقّاص آدابٍ شديد الأشْرِ
يسودُهم في خمسةٍ وعشرِ

وقد قيل إنه كان الأمر كما سمعت وساد عمرو بن كلثوم قومه تغلب وهو ابن خمس عشرة سنة. وتغلب هم من هم في الشرف والسيادة والمجد وضخامة العدد وجلال المحتد والأرومة. وأسرة عمرو سادات تغلب ورؤساؤها وفرسانها حتى قيل: لو أبطأ الإسلام لأكلت تغلب الناس. ولد ونشأ في أرض قومه التغلبيين، وكانوا يسكنون الجزيرة الفراتية وما حولها، وتخضع قبيلته لنفوذ ملوك الحيرة مع استقلالهم التام في شؤونهم الخاصة والعامة، والحيرة كما نعلم إمارة عربية أقامها الفرس على حدود الجزيرة العربية وحموها بالسلاح والجنود.
ولد عمرو إذاً بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعاً هماماً خطيباً جامعاً لخصال الخير والسؤدد والشرف، وبعد قليل ساد قومه وأخذ مكان أبيه، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلّين.


معلقته:
أورد أبو الفرج في كتاب الأغاني قصة نظم معلقته فقال:
أخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة: أن عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي، فقالوا: نعم! أم عمرو بن كلثوم. قال: ولم، قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو وهو سيد قومه. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن تزور أمه أمه. فأقبل عمرو من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب. وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب. فدخل عمرو بن كلثوم على عمر بن هند في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق. وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر، وكانت أم ليلى بنت مهلهل بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس، وبينهما هذا النسب. وقد كان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى. فدعا عمرو بمائدةٍ ثم دعا بالطرف. فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق. فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فأعادت عليها وألحت. فصاحت ليلى: واذلاه! يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه، ونظر إلى عمر بن هند فعرف الشر في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيفٍ لعمرو بن هند معلقٍ بالرواق ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب، فانتهبوا ما في الرواق وساقوا نجائبه، وساروا نحو الجزيرة.


نماذج من شعره :
1- معلقته الشهيرة التي تداولها الناس قديما وحديثا والتي حرص الناس ممن قبيلة الشاعر على تعليمها لأولادهم، نقتبس منها هذه الأبيات المعبرة:

وَقَـدْ عَلِمَ القَبَـائِلُ مِنْ مَعَـدٍّ = إِذَا قُبَـبٌ بِأَبطَحِـهَا بُنِيْنَــا
بِأَنَّـا المُطْعِمُـوْنَ إِذَا قَدَرْنَــا = وَأَنَّـا المُهْلِكُـوْنَ إِذَا ابْتُلِيْنَــا
وَأَنَّـا المَانِعُـوْنَ لِمَـا أَرَدْنَـا = وَأَنَّـا النَّـازِلُوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَـا
وَأَنَّـا التَـارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَـا  = وَأَنَّـا الآخِـذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَـا
وَأَنَّـا العَاصِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا = وَأَنَّـا العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً = وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا

وفي سائر ديوانه نلمح نبرة الفخر هذه ونبل أخلاق التي هي أخلاق الفرسان في أنه لا يخفي مشاعره لأحد سواء بغضا أو حبا، فيقول ويعرّض بأحد أعدائه:

كَـمْ مِـنْ عَــدُوٍّ جَـاهــدٍ = بـالـشَّـرِّ لَـوْ يَسْطِيـعُ شَـرَّا
يَغْـتَـابُ عِـرْضِـي غَـائِـبـاً  = فَـإِذَا تَـلاقَيـنَـا اقْـشَـعَـرَّا
يُـبْـدِي كَـلامــاً لَـيِّـنـاً = عِنْـدِي وَيَحْقِـرُ مُـسْـتَـسِـرَّا
إِنِّـــي امْـــرُؤٌ أُبْـــدِي = مُخَـالَفَـتِـي وَأَكْـرَهُ أَنْ أُسِـرَّا
مِـنْ عُـصْـبَـةٍ شُـمِّ الأُنُـوفِ = تَـرَى عَـدُوَّهُــمُ مُـصِــرَّا

ويمضي ديوانه على نبرة الفخر واستخدام ضمير الجمع، نحن، وما فيه من الدلالة للقوة الفخر بنفسه وقبيلته، والجانب الآخر من ديوانه يتركز على نبرة الهجاء الحادة، واقتبس من الجزء الآخر هذه الأبيات الدالة:

أَلاَ مَـنْ مُبْلِـغٌ عَمْـرَو بْنَ هِنْـدٍ = فَمَا رُعِيَـتْ ذَمَامَـةُ مَـنْ رَعَيْتَـا
أتَغصـبُ مَالكـاً بِذُنُـوبِ تَيْـمٍ  = لَقَـدْ جِئْـتَ المَحَـارِمَ واعْتَدَيْتَـا
فَـلَـوْلاَ نِعْمَـةٌ لأبِـيـكَ فِينَـا  = لَقَـدْ فُضَّـتْ قَنَاتُـكَ أَوْ ثَوَيْتَـا
سَتَعْلَـمُ حِيـنَ تَخْتَلِـفُ العَوَالِـي = مَـنِ الحَامُـونَ ثَغْـرَكَ إِنْ هَوَيْتَـا
وَمَنْ يَغْشَـى الحُـرُوبَ بِمُلْهِبَـاتٍ = تُـهَـدِّمُ كُـلَّ بُنْـيَـانٍ بَنَيْـتَـا

وقوله:

أَلاَ أبْلِـغْ بَنِـي جُشَـمَ بْنِ بَكْـرٍ = وَتَغْـلِـبَ كُلَّمَـا أَتَيَـا حِـلاَلا
بِـأَنَّ المَاجِـدَ القَـرْمَ ابْنَ عَمْـرو = غَدَاةَ نَطَـاعِ قَـدْ صَـدَقَ القِتَـالا
كَتِـيـبَـتُـهُ مُلَمْـلَـمَـةٌ رَدَاحٌ = إِذَا يَـرْمُـونَهـا تُفْـنِـي النِّبَـالا

وغير ذلك، وأجزم أنك رغم صعوبة بعض الكلمات إلا أنه لم يخالجك شك في معناها، وتستطيع من القراءة الأولى أن تفهم غرضه وما يريده، وهذا من جمال اللغة العربية، ففي كتاب البلاغة الواضحة ضربوا هذا المثل البسيط للتلامذة، فقالوا إذا وضعنا لديك كلمتيْ (مزنة) ، و(جهام) مثلا، أيهم تظنه يحمل المعنى الألطف على غير سابق معرفة بهما، فالاختيار سيكون في صالح (المزنة) بالتأكيد والتي تعني بهذه المناسبة السحاب الأبيض الرقيق، هذا الأمر أيضًا تستطيع تطبيقه على هذه الأبيات، فمعناها في هذا الوضوح وألفاظها قوية غليظة في مجال الحرب مثل (مُلَمْـلَـمَـةٌ رَدَاحٌ) فأنك لا تحتاج لكثير وقت لتدرك أنه يقصد وصف الكتيبة بالضخامة والثقل وكثرة الفرسان.
وصيته حين الموت:
ورد أنه لما حضرت عمرو بن كلثومٍ الوفاة وقد أتت عليه خمسون ومائة سنة، جمع بنيه فقال: يا بني، قد بلغت من العمر ما لم يبلغه أحد من آبائي، ولا بد أن ينزل بي ما نزل بهم من الموت. وإني والله ما عيرت أحداً بشيء إلا عيرت بمثله، إن كان حقاً فحقاً، وإن كان باطلاً فباطلاً. ومن سب سب؛ فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لكم، وأحسنوا جواركم يحسن ثناؤكم، وامنعوا من ضيم الغريب؛ فرب رجلٍ خير من ألف، ورد خير من خلف. وإذا حدثتم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا؛ فإن مع الإكثار تكون الأهذار . وأشجع القوم العطوف بعد الكر، كما أن أكرم المنايا القتل. ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب، ولا من إذا عوتب لم يعتب . ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف شره؛ فبكؤه خير من دره، وعقوقه خير من بره. ولا تتزوجوا في حيكم فإنه يؤدي إلى قبيح البغض.”


بقلم الشاعر/ أحمد عبد المعطي

6 تعليقاً

بين النقد والنقض

النقد هو معرفة المحاسن وإظهارها لدراستها ومعرفة المآخذ والإشارة إليها لتفاديها أما النقض فهو الهدم بالمناقضة وبين هذا وذاك تدو عجلة التعقيب على النص فبين ناقد وناقض وبين هادم وبان.

من المؤكد أن النظرة النقدية تختلف باختلاف العمل كما تختلف باختلاف الناقد، فكلما كبر الناقد وصغر العمل كلما زادت الفجوة بينهما مما قد يدعو الناقد إلى إهمال النص وربما نفيه خارج حدود الأدب -من منظوره- وقتل تلك الموهبة في الناشيء، وعلى العكس تماما كلما كبر النص وصغر الناقد كلما زادت الاستفهامات والتعجبات فبين استفهام لجهل بمادة النص أو بالتراكيب اللغوية وتعجب ناتج عن فقر إلى الخلفية الأدبية اللازمة.

رغم ما قد نراه من تباين بين الصورتين إلا أن الناقد الحق لازال يحمل نفس الكم من المخزون الفكري والأدبي الذي يؤهله لنقد كبرى الأعمال ولكنه حقيقة لا يرى إساءة لذاته أن ينظر في الأعمال الصغيرة ليس فقط بعين الناقد وإنما بعين المرشد والمعلم، فمع افتقار أمتنا إلى لغتها وحاجة الشباب إلى تعلمها نحوا وصرفا -فضلا عن تعلم الشعراء علوم الشعر من عروض وقوافي- نجدنا في حاجة لمن يرشد الشباب إلى ذلك خاصة وأن الأدب ليس حكرا على متخصص في اللغة -بل ربما بعض فروعه- ولكن التميز بلا شك لكل متقن ومجد.

لا يسعنا أن ننكر أن الموهبة موجودة وأنها حقيقة وأن في بدايتها وعند اكتشافها تكون مشوهة محتاجة لصقل ومتابعة حتى تتخذ شكلها الأولي الذي يمكن الموهوب من وضع قدم راسخة فيما يحسن ومن ثم إضفاء نظرته الخاصة ومحاولة التجديد في الفكرة ومواكبة عصره، ولهذا فينبغي علينا ألا نمنع هؤلاء أو نصيبهم بالإحباط عن طريق نقض أعمالهم ، وأن نضع في اعتبارنا أنها بدايات وأنه ينبغي أن نتابعهم ونحفزهم ونصقل وننمي موهبتهم، مراعاة للظروف المحيطة والتي أوصلت اللغة إلى هذا الحال المحزن.

ينبغي أن نعلم أن هذه الكلمات ليست دعما وتشجيعا للشباب بقدر ما هي مسعى للحفاظ على اللغة و تعليمها وتوريثها بصورة صحيحة لأنه لا يحفظ هذه اللغة بعد الله تعالى إلا الأدباء فواجبنا تجاه لغتنا أن نثريها بشبابها لا أن نقف لهم بالمرصاد وكأننا ولدنا أدباء وعلماء، ولهذا فإنه ينبغي علينا أن نأخذ بأيدي الشباب عن طريق نقد أعمالهم بعيدا عن نقد الكبار الذي قد يثقل عليهم كفاية فيدعوهم إلى هجر ما قد يبدعون فيه لو تعاهدناهم فنكون بهذا قد خسرنا وخسرت لغتنا أديبا ربما يصبح من دعائمها.

بقلم/ محمد أبو الفتوح غنيم

تعليق واحد

جرير

نسبه :
جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي ، أبو حزرة ، من تميم . -
- أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفــرزدق والأخطــل .
-  كان عفيفا وهو من أغزل الناس شعرا .

حياته :
هو جرير بن عطية، ينتهي نسبة إلى قبيلة “تميم”

كان من أسرة عادية متواضعة.. وقف في الحرب الهجائية وحده أمام ثمانين شاعرًا، فحقق عليهم النصر الكبير …

كان عفيفًا في غزله ، متعففًا في حياته ، معتدلا بعلاقاته وصداقاته .

كما كان أبيًا محافظًا على كرامته، لاينام على ضيم، هجاء من الطراز الأول، يتتبع في هجائه مساوىء خصمه، وإذا لم يجد شيئًا يشفي غلته، اخترع قصصًا شائنة وألصقها بخصمه، ثم عيره بها .

واتصل بالخلفاء الأمويين، ومدحهم ونال جوائزهم سلك في شعره الهجاء والمديح والوصف والغزل
عاش حوالي ثمانين سنة.

اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ وفاة جرير، على أنه في الأغلب توفي سنة 733م/144ه وذلك بعد وفاة الفرزدق بنحو أربعين يومًا، وبعد وفاة الأخطل بنحو ثلاث وعشرين سنة.

شعره :


المديح عند جرير:

أكثر جرير من المديح ، وكانت نشأته الفقيرة، وطموح نفسه، وموهبته المواتية، وحاجة خلفاء بني أمية إلى شعراء يدعون لهم، ويؤيدون مذهبهم، كان كل ذلك مما دفعه إلى الإكثار من المدح والبراعة فيه. وكان أكثر مدائحه في خلفاء بني أمية وأبنائهم وولاتهم، وكان يفد عليهم من البادية كل سنة لينال جوائزهم وعطاياهم.

وكان مديحه لهم يشيد بمجدهم التليد ويروي مآثرهم ومكارمهم، ويطيل في الحديث عن شجاعتهم، ويعرض بأعدائهم الثائرين عليهم، وبذلك كان يظهر اتجاهه السياسي في ثنايا مدحه لهم، وكان إذا مدح، استقصى صفات الممدوح وأطال فيها، وضرب على الوتر الذي يستثيره ولم يخلط مدائحه وبلغت غايتها من التأثير في النفس.

وفي الحق أنه ما كان لجرير من غاية غير التكسب وجمع المال ..

فهو إذا مدح الحجاج أو الأمويين بالغ في وصفهم بصفات الشرف وعلو المنزلة والسطوة وقوة البطش، ويلح إلحاحا شديدا في وصفهم بالجود والسخاء ليهز أريحيتهم، وقد يسرف في الاستجداء وما يعانيه من الفاقة

وتكثر في أماديحه لهم الألفاظ الإسلامية والاقتباسات القرآنية .

جرير مفاخرًا هاجيًا :

كان لجرير مقدرة عجيبة على الهجاء، فزاد في هجائه عن غيره طريقة اللذع والإيلام.. فيتتبع حياة مهجويه وتاريخ قبيلتهم، ويعدد نقائصهم مختلفا، مكررا، محقرا، إلا أنه لم يستطع أن يجعل الفخر بآبائه موازيا لفخر الفرزدق.

وقال في الهجاء :
فغض الطرف إنك من نمير = فلا كعبا بلغت ولا كلابا

فما هبت الفرزدق فد علمتم = وما حق ابن بروع أن يهابا

أعد الله للشعراء مني = صواعق يخضعون لها الرقابا

إذا غضبت عليك بنو تميم = حسبت الناس كلهم غضابا

وهناك التقى جرير بالفرزدق وأصبح بينهما منذ ذلك اليوم صولات وجولات في الهجاء والتي استمرت سنوات عديدة، لم تنتهي إلا بوفاة الفرزدق، والذي نعاه جرير قائلاً:

لعمري لقد أشجى تميما وهدها = على نكبات الدهر موت الفرزدق
عشية راحوا للفراق بنعشه = إلى جدث في هوة الأرض معمق
لقد غادروا في اللحد من كان ينتمي = إلى كل نجم في السماء محلق

ثم يقول :
عماد تميم كلها ولسانها = وناطقها البذاخ في كل منطق .

شيء من غزل جرير:

لم يكن غزل جرير فنا مستقلا في شعره، فقد مزج فيه أسلوب الغزل الجاهلي بأسلوب الغزل العذري. فهو يصف المرأة ويتغزل بها، ثم يتنقل من ذلك إلى التعبير عن دواخل نفسه، فيصور لنا لوعته وألمه وحرمانه، كما يحاول رصد لجات نفسه فيقول :

يا أم عمرو جزاك الله مغفرة = ردي على فؤادي كالذي كانا
هلا تحرجت مما تفعلين بنا = يا أطيب الناس يوم الدجن أردانا
قالت ألم بنا إن كنت منطلقا = ولا أخالك بعد اليوم تلقانا
ما كنت أول مشتاق أخا طرب = هاجت له غدوات البين أحزانا

ثم يقول أشهر أبياته في الغزل :
إن العيون التي في طرفها حور = قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا لب حتى لا حراك به = وهن أضعف خلق الله أركان

أسلوب جرير :

أول ما يطالعنا في أسلوب جرير، سهولة ألفاظه ورقتها وبعدها عن الغرابة، وهي ظاهرة نلاحظها في جميع شعره، وبها يختلف عن منافسيه الفرزدق والأخطل اللذين كانت ألفاظهما أميل إلى الغرابة والتوعر والخشونة. وقد أوتي جرير موهبة شعرية ثرة، وحسا موسيقيا، ظهر أثرهما في هذه الموسيقى العذبة التي تشيع في شعره كله. وكان له من طبعه الفياض خير معين للإتيان بالتراكيب السهلة التي لا تعقيد فيها ولا التواء ..  فكأنك تقرأ نثرا لا شعرا .

ومن هنا نفهم ما أراده القدماء بقولهم الشهير : (جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت من صخر)  وهذا القول يشير إلى ظاهرة أحرى في الشاعرين، وهي أن جريرا كان أكثر اعتمادا على الطبع من الفرزدق، وأن الفرزدق كان يلقى عناء شديدًا في صنع شعره .

وإن اعتماد جرير على الطبع وانسياقه مع فطرته الشعرية من الأمور التي أدت أيضا إلى سهولة شعره وسلاسة أسلوبه ورقة ألفاظه ، إذ كان لشعره موسيقى تطرب لها النفس، ويهتز لها حس العربي الذي يعجب بجمال الصيغة والشكل، ويؤخذ بأناقة التعبير وحلاوة الجرس أكثر مما يؤخذ بعمق الفكرة والغوص على المعاني.

ولهذا أبدع جرير في أبواب الشعر التي تلائمها الرقة والعذوبة، كالنسيب والرثاء .

على أن انسياق جرير مع الطبع وقلة عنايته بتهذيب شعره وإعادة النظر فيه، كل ذلك جعل من الابتكار والإبداع في المعاني قليلا، لا يوازي حظ الفرزدق من ذلك، حتى أنك لتنظر في بعض أبياته فلا تجد فيها غير صور لفظية جميلة جذابة، لا يكمن وراءها معنى مبتكر ولا فكرة طريفة .

خصائص أشعار جرير:

يمكننا من دراستنا لشعر جرير من خلال نصوصه الشعرية أن نتبين ملامح فنه وخصائصه فيما يلي

- كان جرير يجول في شعره في ساحات واسعة الأرجاء ، متعددة الجوانب ، فقد طرق أكثر الأغراض الشعرية المعروفة وأجاد فيها، وأعانته على ذلك طبيعته الخاصة المواتية .

- كانت معاني الشاعر جرير في شعره فطرية، ليس فيها غور ولا تعمق فلسفي. ولكنها قريبة الحضور بالبال، ومع هذا القرب، كان يعرضها في ثوب أنيق من اللفظ، تبدو به جذابة، شديدة التأثير.

- إن الصور والأخيلة جاءت متصلة بالبادية التي ارتبطت بها حياته أشد الارتباط، ولكنه مع هذا قد تأثر تأثرا واضحا بالروح الإسلامي والثقافة الإسلامية، ولذلك يمثل شعره الحياة البدوية تمثيلا صادقا .

- كانت تشيع في شعره، ولاسيما في الهجاء،روح التهكم والسخرية التي قربته إلى قلوب العامة من الناس، وهيات له الظفر بخصمه .

- لجرير بعد ذلك قدرته على انتقاء اللفظ الجزل، ومتانة النسج، وحلاوة العبارة، والجرس الموسيقي المؤثر… وخاصة في غزله حيث العاطفة الصادقة التي تتألم وتتنفس في تعبير رقيق لين .

الشخصية الشعرية :

الشاعر جرير من النفوس ذات المزاج العصبي وذات الطبع الناعم الرقيق، ولئن جعلت رقة الطبع شعره دون شعر الفرزدق فخامة ، لقد جعلته يتفوق في المواقف العاطفية كالرثاء .

فالعاطفة هي منبع كل شيء في شعر جرير، وهي عنده تطغى على العقل والخيال، ولهذا ضعف تفكيره كما ضعف خياله ووصفه، فجرى على توثب إحساسه .

أخيرا :

قيل إن بيوت الشعر أربعة: فخر ومديح وهجاء ونسيب وفي الأربعة فاق جرير:
قوله في الفخر :
إذا غضبت عليك بنو تميم = حسبت الناس كلهم غضابا

وفي المديح :
ألستم خير من ركب المطايا = وأندى العالمين بطون راح

وفي الهجاء :
فغض الطرف إنك من نمير = فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وفي النسيب :
إن العيون التي في طرفها حور = قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

بقلم الشاعر/ خالد سليم

7 تعليقاً

أبو العلاء المعري

نسبه ولقبه:

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري . شاعر و فيلسوف و أديب، يطلق عليه المعري نسبة الى معرة النعمان التى ولد ومات فيها، وهو من بيت علم وفضل ورياسة، له جماعة من أقاربه قضاة وعلماء وشعراء مثل، سليمان بن أحمد بن سليمان جده قاضي المعرة وولي القضاء بحمص ووالده عبد الله بن، سليمان كان شاعراً وأخويه محمد بن عبد الله وأبي الهيثم ولهما شعر. وجاء من بعده جماعة من أهل بيته قالوا، الشعرورأسوا ..

مولده ووفاته:

ولد أبو العلاء يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول بمعرة النعمان بسورياعام 363 هــ / 973 مــ

وتوفي في يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الأول عام 449 هــ / 1057 مـــ

ولما مات وقف على قبره 84 شاعراً يرثونه ..

ومعرة النعمان مدينة كبيرة كثيرة المباني والأسواق بينها وبين حلب خمسة أيام، ولا في شيء من نواحيها ماء جار ولا عين، والغالب على أرضها الرمل وشرب أهلها من ماء السماء، وهي كثيرة الزيتون والكروم والتين والفستق والجوز وغيرذلك، وأهلها تنوخ.

ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي أخصب بلاد الله وأكثر أرزاقاً ووراءها جبل لبنان.

فيها قبر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ويذكر أن قبر شيث بن آدم عليهما السلام فيها ايضا وداخل المعرة قبر يوشع بن نون، وله يوم حفل في كل عام يقصد إليه من الأقطار..

حياته:

كان أبو العلاء من بيت كبير في بلده، وكان نحيف الجسم، أصيب بالجدري صغيراً فعمي في السنة الرابعة من عمره وكان يقول: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأني ألبست في الجدري ثوباً مصبوغاً بالعصفر لا أعقل غير ذلك

وقد سلى نفسه عن عماه بقوله:

قالوا العمى منظر قبيح = قلت بفقدانكم يهون

والله ما في الوجود شيء = تأسى على فقده العيون

وكان يقول: أنا أحمد الله على العمى كما يحمده

غيري على البصر.ولم تمنعه إعاقته عن طلب العلم، وتحدي تلك الظروف الصعبة التي مرَّ بها، فصرف نفسه وهمته إلى طب العلم ودراسة فنون اللغة والأدب والقراءة والحديث

وقد قال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة ، ورحل إلى حلب حيث كانت الحركة الثقافية التي ازدهرت في ظل سيف الدولة لاتزال نشيطة، ومن حلب إلى أنطاكية، وكانت لاتزال تدافع عما بقي لها من تراثها البيزنطي، ومن أنطاكية توجّه إلى طرابلس الشام، ومرّ باللاذقية فأخذ عن بعض الرهبان ما وجده عندهم من علوم اليونان وآرائهم الفلسفية. وقد حباه الله تعالى حافظة قوية؛ فكان آية في الذكاء المفرط وقوة الحافظة، حتى إنه كان يحفظ ما يُقرأ عليه مرّة واحدة، ويتلوه كأنه يحفظه من قبل، ويُروى أن بعض أهل حلب سمعوا به وبذكائه وحفظه – على صغر سنه – فأرادوا أن يمتحنوه؛ فأخذ كل واحد منهم ينشده بيتًا، وهو يرد عليه ببيت من حفظه على قافيته، حتى نفد كل ما يحفظونه من أشعار، فاقترح عليهم أن ينشدوه أبياتًا ويجيبهم بأبيات من نظمه على قافيتها، فظل كل واحد منهم ينشده، وهو يجيب حتى قطعهم جمعيًا.وكان يلعب بالشطرنج والنرد، وإذا أراد التأليف أملى على كاتبه (علي بن عبد الله بن أبي هاشم).

ذهب بعد ذلك الى بغداد ولم يطل المقام بأبي العلاء في بغداد طويلاً؛ إذ إنه دخل في خصومة مع “المرتضي العلوي” أخي “الشريف الرضي”، بسبب تعصب “المعري” للمتنبي وتحامل المرتضي عليه؛ فقد كان أبو العلاء في مجلس المرتضي ذات يوم، وجاء ذكر المتنبي، فتنقصه المرتضي وأخذ يتتبع عيوبه ويذكر سرقاته الشعرية، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قصيدته: “لك يا منازل في القلوب منازل” لكفاه فضلاً.
فغضب المرتضي، وأمر به؛ فسُحب من رجليه حتى أُخرج مهانًا من مجلسه، والتفت لجلسائه قائلاً: أتدرون أي شيء أراد الأعمى بذكر تلك القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكره. قالوا: النقيب السيد أعرف! فقال: إنما أراد قوله:
وإذا أتتك مذمَّتي من ناقص=فهي الشهادة لي بأنِّي كامل ..!!

ورُوي أنه دخل يوماً أبو العلاء المعريّ على الشريف المرتضى، فعثر برجل فقال الرجل: مَن هذا الكلب؟ فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً.

وقد تتبع كتب اللغة، فحصلها (أكثر من ستين اسماً): ونظمها في أرجوزة “التبرّي

من معرّة المعري” مكونة من 37 بيتا ..!

وكان يلبس خشن الثياب ويحرم إيلام الحيوان،

ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تديناً ولا ما تولّد من الحيوان رحمة للحيوان وخوفاً من إزهاق النفوس.

. ولقيه رجل فقال له: لم لا تأكل اللحم؟ فقال: أرحم الحيوان. قال له:فما تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان؟ فإن كان لذلك خالق فما أنت بأرأف منه، وإن كانت الطباع المحدثة لذلك فما أنت بأحذق منها ولا أتقن، فسكت.

ولكن قيل ان هذا الرأي يتخذه أعداءه مدخلا للطعن عليه و تجريحه و تسديد التهم له ومحاولة تأويل ذلك بما يشكك في دينه ويطعن في عقيدته ولكنه يبرر ذلك برقة حاله وضيق ذات يده، وملاءمته لصحته فيقول: “ومما حثني على ترك أكل الحيوان أن الذي لي في السنة نيِّفٌ وعشرون دينارًا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب بقي لي ما لا يعجب، فاقتصرت على فول وبلسن، وما لا يعذب على الألسن.. ولست أريد في رزقي زيادة ولا لسقمي عيادة”.

ولما رجع المعري لزم بيته وسمى نفسه: (رهين المحبسين)، يعني حبس نفسه في المنزل وحبس

بصره بالعمى

وقد اختلف الناس في أبي العلاء، فمن الناس من جعله زنديقاً وهم الأكثر، ومن الناس من أول كلامه ودفع عنه.

ومما يستشهد عليه من المقالة الأولى قوله:

عقول تستخف بها سطور = ولا يدري الفتى لمن الثبور

كتاب محمد وكتاب موسى = وإنجيل ابن مريم والزبور

قال القاضي أبو يوسف عبد السلام القزويني: قال لي المعري لم أهج أحد قط،

فقلت له: صدقت إلا الأنبياء عليهم السلام، فتغير لونه.

وأما الباخرزي فقال في حقه: ضرير ما له في أنواع الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف،ومحجوب خصمه الألد محجوج، قد طال في ظلال الإسلام آناؤه،ولكن ربما رشح بالإلحاد إناؤه، وعندما خبر بصره، والله العالم ببصيرته، والمطلع على سريرته، وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا أنه عارض به القرآن وعنونه ب”الفصول والغايات” محاذاة للسور والآيات، وأظهر من نفسه تلك الخيانة، حتى قال فيه القاضي أبو جعفر محمد بن إسحاق البحاثي الزوزني قصيدة أولها:

كلبٌ عوى بمعرة النعمان =لما خلا عن ربقة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبت إذ =أخرجت منك معرة العميان

وأما الأشياء التي دوّنها وقالها في “لزوم ما لا يلزم” وفي “استغفر واستغفري” فما فيه حيلة وهو كثير، فيه ما فيه من القول بالتعطيل والاستخفاف بالنبوات ويحتمل أنه تاب بعد ذلك كله.

وقال آخرون أنه تاب وأناب ..

وله من الأبيات ما ينفي الحاده .. فقد حدث أن بذل المستنصر لأبي العلاء ما ببيت المال بالمعرة من الحلال فلم يقبل منه شيئاً وقال:

لا أطلب الأرزاق وال = مولى يفيض عليّ رزقي

إن أعط بعض القوت أع = لم أن ذلك فوق حقي

وقال أيضاً:

غربت بذمي أمّةٌ = وبحمد خالقها غريت

وعبدت ربي ما استطع = ت ومن بريّته بريت

وفرتني الجهال حا = شدةً عليّ وما فريت

سعروا علي فلم أحس= وعندهم أني هويت

وجميع ما فاهوا به= كذبٌ لعمرك حنبريت

وقال أبو العلاء عندما علم أنهم يقولون انه زنديق :

أستغفر الله في أمني وأوجالي = من غفلتي وتوالي سوء أعمالي

قالوا هرمت ولم تطرق تهامة في = مشاة وفدٍ ولا ركبان أجمال

فقلت إني ضريرٌ والذين لهم = رأيٌ رأوا غير فرضٍ حج أمثالي

ما حج جدي ولم يحجج أبي وأخي = ولا ابن عمي ولم يعرف منىً خالي

وحج عنهم قضاءً بعدما ارتحلوا = قومٌ سيقضون عني بعد ترحالي

فإن يفوزوا بغفرانٍ أفز معهم = أو لا فإني بنارٍ مثلهم صال

ولا أروم نعيماً لا يكون لهم = فيه نصيبٌ وهم رهطي وأشكالي

فهل أسر إذا حمت محاسبتي = أم يقتضي الحكم تعتابي وتسآلي

من لي برضوان أدعوه فيرحمني= ولا أنادي مع الكفار أمثالي

باتوا وحتفي أمانيهم مصورة = وبت لم يخطروا مني على بال

وفوقوا لي سهاماً من سهامهم = فأصبحت وقعاً عني بأميال

فما ظنونك إذ جندي ملائكةٌ = وجندهم بين طوافٍ وبقال

لقيتهم بعصا موسى التي منعت = فرعون ملكاً ونجت آل إسرال

أقيم خمسي وصوم الدهر آلفه = وأدمن الذكر أبكاراً بآصال

عيدين أفطر في عامي إذا حضرا = عيدالأضاحي يقفو عيد شوال

إذا تنافست الجهال في حللٍ = رأيتني من خسيس القطن سربالي

لا آكل الحيوان الدهر مأثرةً = أخاف من سوء أعمالي وآمالي

وأعبد الله لا أرجو مثوبته = لكن تعبد إكرامٍ وإجلال

أصون ديني عن جعلٍ أؤمله = إذا تعبد أقوامٌ بأجعال

*وقد كان الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد يقول في أبي العلاء انه في حيرة ..

وهذا أحسن ما يقال في أمره لأنه قال في داليّته التي في “سقط الزند” :

خلق الناس للبقاء فصلت = أمةٌ يحسبونهم للنّفاد

إنما ينقلون من دار أعما = لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد

ثم قال في “لزوم ما لا يلزم”:

ضحكنا وكان الضحك منا سفاهةً = وحقّ لسكان البسيطة أن يبكوا

تحطمنا الأيام حتى كأننا = زجاجٌ ولكن لا يعاد لنا سبك

وهذه الأشياء كثيرة في كلامه وهو تناقض منه ..

لهذا لا يجب أن نشغل أنفسنا كثيرا بما كان عليه أبو العلاء المعري .. فأياً كانت حياته .. فلا يعرف سوى الله تعالى الحال التي مات عليها ..

شعره:

شعره هو ديوان حكمته وفلسفته، ينقسم الى ثلاثة أقسام:

- (لزوم ما لا يلزم-ط) ويعرف باللزوميات،وهو شعره الذي قاله في كهولته، وقد أجاد فيه وأكثر بشكل لم يبلغه أحد بعده، حتى بلغ نحو (13) ألف بيت.

- (سقط الزند-ط)، وهو أول إنتاج أدبي للمعري وكان شعراً لذلك يعتبر النقاد أول ديوان شعري للمعري نظمه في صباه وكان فيه مقلداً الشعراء الذين سبقوه خاصة المتنبي. يحتوي الكتاب على ما يقارب 3 آلاف بيت شعر نظمها المعري في مواضيع الشعر المختلفة.

-(ضوء السقط-خ) و قد شرح فيه (سقط الزند)

وقد ترجم كثير من شعره إلى غير العربية وأما كتبه فكثيرة وفهرسها في معجم الأدباء.

من تصانيفه كتاب (الأيك والغصون) في الأدب يربو على مائة جزء، (تاج الحرة) في النساء وأخلاقهن وعظاتهن، أربع مائة كراس، و(عبث الوليد-ط) شرح به ونقد ديوان البحتري، و(رسالة الملائكة-ط) صغيرة، و(الفصول والغايات -ط)، و(رسالة الصاهل والشاحج).

وقد بعث ابن القارح الى أبو العلاء المعري رسالة تعرف ب(رسالة ابن القارح)، وأجابه عنها أبو العلاء ب(رسالة الغفران). وهي من أشهر أعماله ..التي ألهبت خيال كثير من الأدباء والشعراء على مَرِّ الزمان، والتي تأثر بها “دانتي” في ثُلاثيته الشهيرة “الكوميديا الإلهية”.

ولأبى العلاء أبيات كثيره فى الشيخوخة و المشيب منها :

خبريني ما ذا لقيت من الشيب – فلا علم لي بذنب المشيب

اضياء النهار ام وضح الؤلؤ- ام كونه كثغر الحبيب

واذكري لي فضل الشباب وماذا- يجمع من منظر يروق وطيب

غدره للخليل ام حبه للغي-ام كونه كعيش الاريب

نزل المشيبُ بعارضيه فاعرضوا-وتقوَّضتْ خيم الشباب فقوضوا

فكأنَّ في الليل البهيم تبسطوا-خفراً وفي الصبح المنير تقبضوا

ولقد رأيت وما سمعت بمثله- بيناً غرابُ البينِ فيه أبيضُ

وهذه الأبيات على عكس ما فى الأعلى :

إذا الفتى ذمّ عيشاً في شبيبتهِ- فما يقولُ إذا عصرُ الشبابِ مضى

وقد تعوضتُ عن كلٍّ بمشبههِ-فما وجدتُ لأيامِ الصبا عوضا

*قد أورقت عمد الخيام وأعشبت-قلل الجبال ولون رأسي أغبر

ولقد سلوت عن الشباب كما سلا-غيري ولكن للحزين تذكر

وقال أبو العلاء المعرِّي أبيات رائعة فى الموت:

صاح هذي قبورنا تملأ الرُّح- ب فأين القبورُ من عهدِ عادِ

خفِّف الوطءَ ما أظنُّ أديم ال -أرض إلاَّ من هذه الأجسادِ

وقبيحٌ بنا وإن قدُم العه-د هوانُ الآباءِ والأجدادِ

سرْ إن اسطعت في الهواء رويدا-لا اختيالاً على رفاتِ العبادِ

ربَّ لحدٍ قد صارَ لحداً مراراً-ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ

ودفينٍ على بقايا دفينٍ – في طوالِ الأزمان والآبادِ

فاسألِ الفرقدين عمَّن أحسَّا – من قبيل وآنسا من بلادِ

كم أقاما على زوالِ نهار-وأنارا لمدلجٍ في سوادِ

تعبٌ كلُّها الحياة فما أع- جبُ إلا لراغبٍ في ازديادِ

إنَّ حزناً في ساعة الموت أضعا- فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ


ومن أبياته فى الغزل :

توقَّتك سرّاً وزارت جهاراً -وهل تطلعُ الشَّمس إلاَّ نهارا

كأنَّ الغمامَ لها عاشقٌ – يسايرُ هودجها أين سارا

وبالأرض من حبِّها صفرةٌ – فما تنبتُ الأرضُ إلاَّ بهارا

* أيا جارةَ البيتِ الممنَّع جارُهُ – غدوت ومن لي عندكم بمقيلِ

لغيري زكاةٌ من جمالٍ فإن تكن – زكاةُ جمال فاذكري ابن سبيلِ

أسرتِ أخانا بالخداع وإنَّه- يعدُّ إذا اشتدَّ الوغى بقبيلِ

فإن تُطلقيه تملكي شكرَ قومه – وإن تقتُليه تؤخذي بقتيلِ

وإن عاش لاقى ذلَّة، واختيارهُ -وفاةُ عزيزٍ لا حياةُ ذليلِ

وكيف يجرُّ الجيشَ يطلبُ غارةً -أسيرٌ لمجرورِ الذُّيول كحيلِ

* يا ظبيةً علقتني في تصيدها-أشراكها وهي لم تعلم بأشراكي

رعيت قلبي وما راعيت حرمته-فلم رعيت وما راعيت مرعاك

أتحرقين فؤاداً قد حللت به- بنار حبك عمداً وهو مأواك

أسكنته حين لم يسكن به سكنٌ-وليس يحسن أن تسخي بسكناك

ما بال داعي غرامي حين يأمرني-بأن أكابد حر الوجد ينهاك

ولم غدا القلب ذا يأسٍ وذا طمعٍ-يرجوك أن ترحميه ثم يخشاك

* منك الصدود ومني بالصدود رضى- من ذا عليّ بهذا في هواك قضى

بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت- من الكآبة أو بالبرق ما ومضا

وقد قال فى الرد على أعدائه :

تعاطَوْا مَكَاني وقدْ فُتُّهُمْ – فما أدرَكُوا غيرَ لمحِ البصرْ

وقدْ نَبَحُوني فَمَا هجتُهُمْ – كَمَا نبحَ الكلبُ ضوءَ القَمَرْ

تعد ذنوبي عند قومٍ كثيرةً-ولا ذنب لي إلا العلى والفواضل

كأني إذا طلت الزمان وأهله- رجعت عندي للأنام طوائل

وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم – بإخفاء شمسٍ ضوءها متكامل

إذا وصف الطائيّ بالبخل ماردٌ-وعيّر قساً بالفكاهة باقل

وقال السها للشمس: أنت خفيةٌ -وقال الدجى: يا صبح لونك حائل

وطاولت الأرض السماء سفاهةً-وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

و من شعره أيضاً :

اضرب وليدك تأديباً على رشدٍ -ولا تقل هو طفلٌ غير محتلم

فربّ شقٍ برأسٍ جرّ منفعةً – وقس على شق رأس السهم والقلم

ومن شعره:

رددت إلى مليك الخلق أمري – فلم أسأل متى يقع الكسوف

وكم سلم الجهول من المنايا – وعوجل بالحمام الفيلسوف

أخذه من قول المتنبي وهو أحسن:

يموت راعي الضأن في جهله- ميتة جالينوس في طبه

ربما زاد على عمره – وزاد في الأمن على سربه

وقال عن عقوبة السرقة :

يَدٌ بِخَمسِ مِئينَ عَسجَدٍ فُدِيَت- ما بالُها قُطِعَت في رُبعِ دينارِ

تَناقُضٌ ما لنا إِلّا السُكوتُ لَهُ-وَأَن نَعوذَ بِمَولانا مِنَ النارِ

قال ياقوت: لأن المعري حمارٌ لا يفقه شيئاً وإلا فالمراد بهذا بيّن، لو كانت اليد لا تقطع إلا في سرقة خمسمائة دينار لكثر سرقة ما دونها طمعاً في النجاة، ولو كانت اليد تفدى بربع دينار لكثر من يقطعها ويؤدي ربع دينار ديةً عنها، نعوذ بالله من الضلال.

وقال الشيخ (علم الدين السخاوي) يجيب (المعري) رداً عليه:

صيانة العرض أغلاها وأرخصها-صيانة المال فافهم حكمة الباري

بقلم الشاعرة/ عفاف جسرها

5 تعليقاً

حسان بن ثابت

نسبه:
هو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري من أهل المدينة، ومن بني النجار أخوال عبدالمطلب بن هاشم جد النبي محمد من قبيلة الخزرج، ويروى أن أباه ثابت بن المنذر الخزرجي كان من سادة قومه، ومن أشرفهم، وأما أمه فهي الفزيعة بنت خنيس بن لوزان بن عبدون وهي أيضا خزرجية


مولده ووفاته:
ولد 60 قبل الهجرة على الأرجح وتوفي في سنة 54هـ.


حياته:
كانت المدينة في الجاهلية ميدانا للنـزاع بين الأوس والخزرج ، تكثر فيها الخصومات والحروب ، وكان قيس بن الخطيم شاعر الأوس ، وحسان بن ثابت شاعر الخزرج الذي كان لسان قومه في تلك الحروب التي نشبت بينهم وبين الأوس في الجاهلية ، فطارت له في البلاد العربية شهرة واسعة .
وقد اتصل حسان بن ثابت بالغساسنة ، يمدحهم بشعره ، ويتقاسم هو والنابغة الذبياني وعلقمة الفحل أعطيات بني غسان . فقد طابت له الحياة في ظل تلك النعمة الوارف ظلالها . ثم اتصل ببلاط الحيرة وعليها النعمان بن المنذر ، فحل محل النابغة ، حين كان هذا الأخير في خلاف مع النعمان ، إلى أن عاد النابغة إلى ظل أبي قابوس النعمان ، فتركه حسان مكرها ، وقد أفاد من احتكاكه بالملوك معرفة بالشعر المدحي وأساليبه ، ومعرفة بالشعر الهجائي ومذاهبه . ولقد كان أداؤه الفني في شعره يتميز بالتضخيم والتعظيم ، واشتمل على ألفاظ جزلة قوية .
وهكذا كان في تمام الأهبة للانتقال إلى ظل محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلام ، والمناضلة دونه بسلاحي مدحه وهجائه .
ما بلغ حسان بن ثابت الستين من عمره ، هاجر إلى مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فدخل في الإسلام . وراح من فوره يرد هجمات القرشيين اللسانية ، ويدافع عن محمد والإسلام ، ويهجو خصومهما . قال صلى الله عليه وسلم يوما للأنصار :
” ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم ؟ ” فقال حسان بن ثابت : أنا لها ، وأخذ بطرف لسانه ، وقال عليه السلام :
” والله ما يسرني به مِقْول بين بصرى وصنعاء “
ولم يكن حسان بن ثابت وحده هو الذي يرد غائلة المشركين من الشعراء ، بل كان يقف إلى جانبه عدد كبير من الشعراء الذين صح إسلامهم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على شعر حسان ، وكان يحثه على ذلك ويدعو له بمثل :” اللهم أيده بروح القدس” عطف عليه ، وقربه منه ، وقسم له من الغنائم والعطايا . إلا أن حسان بن ثابت لم يكن يهجو قريشا بالكفر وعبادة الأوثان ، إنما كان يهجوهم بالأيام التي هزموا فيها ويعيرهم بالمثالب والأنساب . ولو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغا . كان حسان بن ثابت لا يقوى قلبه على الحرب ، فاكتفى بالشعر ، ولم ينصر محمدا بسيفه ، ولم يشهد معركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غزوة .
مما لا شك فيه أن حسان بن ثابت كان يحظى بمنزلة رفيعة ، يجله الخلفاء الراشدون ويفرضون له في العطاء . في نفس الوقت ، فإننا لا نجد في خلافة أبي بكر رضي الله عنه موقفا خاصا من الشعر ، ويبدو أن انشغاله بالفتوحات وحركة الردة لم تدع له وقتا يفرغ فيه لتوجيه الشعراء أو الاستماع إليهم . في حين نجد أن عمر رضي الله عنه يحب الشعر ، خاصة ما لم يكن فيه تكرار للفظ والمعنى . وقد روي عن كل من الخليفتين الراشدين عددا من الأبيات لسنا في صدد إيرادها .

حادثة الإفك : يذهب بعض الرواة إلى أن حسان بن ثابت كان ممن خاض في حديث الإفك الكاذب على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قبل إسلامه ، ونراه يعلن براءته من هذا القول الآثم بأشعار يمدحها بها مدحا رائعا مثل قوله:

حصان رزان ما تزن بريبة  =   وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فإن كان ما قد قيل عني قلته   =  فلا رفعت سوطى إلي أنامـل

ويظهر أن بعض المهاجرين وعلى رأسهم صفوان بن المعطل أثاروه في هذا الحادث ، حتى وجد وجدا شديدا فقال:

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا   =   وابن الفريعة أمسى بيضة البلد

شعره:
نظراً لمكانته كشاعر الرسول، فقد لقي حسان بن ثابت من نحل الأبيات والقصائد على لسانه ما لم يلقه كثير من الشعراء، كما أدت المنافسة بين قريش والأنصار في عهد بني أمية، ثم الصراع بين القبائل اليمانية (الذين منهم الخزرج قوم حسان) والقيسية إلى المزيد من القصائد المختلقة على لسانه. وقد أشار إلى ذلك النقاد الأولون، يقول ابن سلام الجمحي: “وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد. لما تعاضدت قريش واستبت، وضعوا عليه أشعارا كثيرة لا تنقى.”[1] وقد حذف ابن هشام من سيرة ابن اسحاق خمس عشرة قصيدة منسوبة إلى حسان، عشر منها قد وردت في ديوانه، ويقدّر أحد الباحثين المعاصرين نسبة الأشعار المنحولة في ديوان حسان بن ثابت بما بين 60 و 70%
واشتهرت مدائحه في الغسانيين قبل الإسلام، ومن أشهر ما وصلنا من تلك القصائد لاميته التي جاء فيها:
لله درّ

عصابةٍ نادمتهم  =  يوماً بجـِلَّقَ في الزمان الأولِ
أولاد جفنة حول قبر أبيهمُ  =  قبر ابن مارية الكريم المفضلِ
يسقون من ورد البريص عليهمُ  = برَدى يصفّق بالرحيق السلسلِ
بـِيضُ الوجوه كريمةُ أحسابهم =  شمَ الأنوف من الطراز الأولِ
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم = لا يسألون عن السواد المقبلِ

ويؤكد الناقدون أن ما نظمه حسان بعد إسلامه افتقر إلى الجزالة وقوة الصياغة التي كانت له في الجاهلية. ولكنه في مقابل ذلك كان يتمتع بقدر كبير من الحيوية والرقة والسلاسة، ويتوهج من حين إلى آخر بتدفق عاطفي يكشف عما في قلبه من دفء وحرارة. ويتفق النقاد على أن أساليب حسان بن ثابت بعد إسلامه قد سلمت من الحوشية والأخيلة البدوية، ولكن خالطها لين الحضارة، ولم تخل في بعض الأغراض من جزالة اللفظ وفخامة المعنى والعبارة كما في الفخر والحماسة والدفاع عن النبي ورسالته ومعارضته المشركين وهجومهم. ويقول الناقد محمد مصطفى سلام: “لقد غلبت على أساليب حسان الشعرية الصبغة الإسلامية كتوليد المعاني من عقائد الدين الجديد وأحداثه والاستعانة بصيغ القرآن وتشبيهاته ولطيف كناياته، وضرب أمثاله، واقتباس الألفاظ الإسلامية من الكتاب والسنة وشعائر الدين، كما غلبت عليها الرقة واللين والدماثة واللطف وسهولةالمأخذ وواقعية الصورة وقرب الخيال، واكثر ما نرى ذلك في شعر الدعوة إلى توحيد الله وتنزيهه، وتهجين عبادة الأوثان، ووصف الشعائر الإسلامية وذكر مآثرها وبيان ثواب المؤمنين وعقاب المشركين وبعض ما مدح به الرسول أصحابه أو رثاهم به.”
وكان مذهبه في الشعر الصدق و الابتعاد عن المبالغة وهو القائل:

وَإِنَّ أَشعَرَ بَيتٍ أَنتَ قائِلُهُ =  بَيتٌ يُقالَ إِذا أَنشَدتَهُ صَدَقا

وقد خالف في ذلك النابغة، وهناك قصة مشهورة بينهما  حيث كان النابغة الذبيانيّ تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها، فأتاه الأعشى فأنشده أول من أنشد، ثم أنشده حسّان:

لنا الجَفَناتُ الغُرًّ يلمعن بالضُّحى =وأسيافُنا يقطرن من نجدة دَما
ولدنا بنى العنقاءِ وابنَىْ محرِّقٍ =فأكرمْ بنا خالاً بنا ابنما

قال النابغة: أنت شاعر ولكنك أقللت جفانك وسيوفك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك.
قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاثة: كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي في النبوة وشاعر اليمانيين في الإسلام.
وقال المبرد في الكامل: أعرق قوم في الشعراء آل حسان فإنهم يعدون ستةً في نسق كلهم شاعر وهم: سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام.
ولحسان بن ثابت لاميته التي يمدح بها الغساسنة بمثل قوله :

بيض الوجوه كريمة أحسابهم      =    شم الأنوف من الطراز الأول

ومقطوعته الدالية التي يستهلها بقوله :

وإن سنام المجد من آل هاشم  =   بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

ومقطوعته الميمية التي يقول فيها :

لعمرك إن إلك من قريش =   كإل السقب من رأل النعام

وقصيدته الهمزية التي يقول فيها لأبي سفيان بن الحارث :

هجوت محمد فأجبت عنه   =   وعند الله في ذاك الجزاء
وجبريل أمين الله فينا    =   وروح القدس ليس له كفاء
فإن أبي ووالده وعرضي =     لعرض محمد منكم وقاء

أتهجوه ولست له بكفء   =    فشركما لخيركما الفداء

وهو في هذه القصيدة يعرض لنا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعة قومه له ونصرتهم لدينه . ويقول أيضا في دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم :

إن كان في الناس سباقون بعدهم  =   فكل سبق لأدنى سبقهم تبــع
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم   =  لا يطمعون ولا يزري بهم طمع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم    =   أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم =    وإن أصيبوا فلا خور ولا جزع

ومن رثائه :
مرثيته البديعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها أبو زيد الأنصاري فيقول :

ما بال عينك لا تنام كأنما  =   كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهدي أصبح ثاويا   =   يا خير من وطئ الثر : لا تبعد
جنبي يقيك الترب لهفي ليتني   =   غيبت قبلك في بقيع الغرقد

ورثاؤه لعمر حين توفي على إثر طعنة فيروز أبو لؤلؤة المجوسي :

وفجعنا فيروز لا در دره =  بأبيض يتلو المحكمات منيب

4 تعليقاً

ديك الجن الحمصي

نسبه ولقبه :
هو أبو محمد عبدالسلام بن رغبان بن عبدالسلام بن حبيب بن عبدالله بن رغبان بن زيد بن تميم الحمصي السلماني الكلبي ولاءً..
وهو حمصي؛ لأنه ولد ومات بها، وهو سلماني لأن أصل آبائه من سلمية قرب حماة، وقيل: إنهم من مؤتة.. لم يفارق بلاد الشام، ولم ينتجع بشعره.. سمي ب «ديك الجن»؛ لأن عينيه كانتا خضراوين.. ذكر كل ذلك ابن خلكان.
قال أبو عبدالرحمن: لايزال التعليل مشكلاً؛ لأن الديك وحده غير مضاف أحمر العينين لا أخضرهما، والإضافة إلى الجن لاتزال محتاجة إلى التعليل!.
مولده ووفاته:
ولد حوالي سنة 131  بعد الهجرة ، وتوفى في عام 235 بعد الهجرة في مدينة حمص بسورية .
تقع مدينة حمص في وسط سورية المعاصرة، وتحتلّ منبسطاً من الأرض، ينحدر من الشرق إلى الغرب، لينتهي عند أقدام نهر العاصي. وتحاصر بادية الشام خاصرتها الشرقية ويحاصر الوعر خاصرتها الغربية، فيضفي عليها ذلك الحصار شيئاً من التجهُّم، ولكن هذا التجهّم لا يلبث أن يتبدّد حينما يدور الزمان دورته كل عام، ويحلّ الربيع، فيستحيل الوعر بساطاً من الأزهار، وتستحيل البادية مروجاً خضراء. وما بين الوعر والبادية ينساب نهر (العاصي) رزيناً، هادئاً، فيمرّ بحمص على بعد بضعة مئات من الأمتار من خاصرتها الغربية، وتستحيل الأرض من حوله غياضاً وبساتين وآجاماً من الصفصاف والأشجار المثمرة. وإلى هذه الغياض والبساتين كان أهل حمص، وما زالوا، يخرجون للتنـزّه والسَّمر على ضفاف العاصي، ولعل أشهر مُتنـزّهاتها اليوم مُتَنَـزَّه ( ديك الجن ) الذي أقيم على العاصي، في المكان الذي أُثر عن عبد السلام أنه كان مولعاً بالخروج إليه.
وفي أحد أحياءها القديمة باب الدريب ولد عبد السلام بن رغبان أو ديك الجن وعاش في هذه المدينة حياته الحافلة التي امتدت قرابة خمسة وسبعين عاماً.

حياته:

عند تناول حياة ديك الجن يمكننا تقسيمها إلى ثلاث أجزاء :


طفولته وشبابه /

قيل أن طفولته كانت عادية ، ولم يرى لها اثراً في كتب التراث ، ولكن يمكننا أن نجزم أنها كانت حافلة بملازمة المساجد والعلماء وتحصيل العلم لأن شعره وآراءه ينطقان بتحصيل العلم وإن انكب معظم حياته على المجون ، إلا أنه لا بد أن طفولته منسية ككافة المبدعين الذين لا يُهتم بهم إلا بعد ظهور موهبتهم .
أما شبابه ، فهو على وتيرة واحدة لم تتغير ، وكانت هي  اللذة المادية في شتى أشكالها وألوانها. لقد انكب على اللذات انكباباً مطلقاً فأدمن معاقرة الخمرة ومطاردة الفتيات والنساء والغلمان، جرياً وراء اللذة المادية الجسدية، ولم يعرف الحب الإنساني الذي ينهض على أساس من العواطف النبيلة والمشاعر الرقيقة. إنه لا يفرّق بين ذكر أو أنثى، فتاة أو امرأة، جميلة أو قبيحة. وقد قال في ذلك:


حَدُّ ما يُنكَحُ عنـدي =  حَيـوانٌ فيه روحُ

أنا من قولـي مَليحٌ = أو قبيحٌ مسـتريحُ

كلُّ مَنْ يمشي على = وجهِ الثَّرى عندي مَليحُ

وفي هذه الفترة من شبابه تعرض لمضايقة مجتمعه، بل الصدام معه، بسبب مجونه المكشوف الذي لم يكن يهتم كثيراً بإخفائه عن عيون الناس. وكان ابن عمه أبو الطيب من أشد الناس عليه، ولقد هجاه ديك الجن بقصيدة مطولة ولعلك عزيزي القارئ تريد أن تهتم بهذا الإسم “أبو الطيب ” الذي سيكون له أثر كبير في حياة ديك الجن ، في مرحلة لاحقة .


وَرْد/
كان لقاءه بها حادث عارض في مجمل حياته اللاهية العابثة ، ولكنها كان لها أبلغ الأثر في حياته مخلفةً وراءها خراباً لا يعمر ، وكسراً لم يجبر .. وأصبح لا يرى إلا الدمَ ولا يسمع إلا آهات الصراخ والعويل .. وظلت نظرات الرعب في عين ورد ، لعنة  ًأبديةً تطارده طيلة حياته ، وتقض عليه مضجعه ، فمن هي ورد ؟
ورد هي فتاة نصرانية أحبها ديك الجن، وأحبته، فأسلمت على يديه، وتزوجها ولهم في ذلك قصة رومانسية مختصرها ، أن ديك الجن كان يحبها ويرسلُ لها القصائد سراً ، ويبدو أنها كانت لا تعرفه بعد .. وبينا هو يمشي مع صديقه “بكر ” إذ يسمعها تنشد بعض هذه القصائد ، وتشعر صديقاتها بالتلصص ، فتذهب ورد للمتلصصين ، فيقدم ديك الجن نفسه ، فتشكك ورد في هويته .. وتطالبه بالارتجال مع تغيير القوافي والحفاظ على المعنى فكان في قوله:


قولي لطيفك ينثني  =  عن مضجعي وقت الوسن
كي أستريح وتنطفي  =  نار تأجج في البدن
دنف تقلبه الأكف =  على فراش من شجن
أما أنا فكما علمت  =  فهل لوصلك من ثمن


ضحكت ورد وقالت ربما أنك حفظت هذه المقطوعة منذ زمن وأردت أن تبهرني بقوة شاعريتك في الارتجال. إذا كان صحيحاً أنك ديك الجن فقل هذه المعاني في قافية أخرى. رد عليها على الفور:-


قولى لطيفك ينثني  =  عن مضجعي وقت المنام
كي أستريح وتنطفى  =   نار تأجج في العظام
دنف تقلبه الأكف  =    على فراش من سقام
أما أنا فكلما علمت  =    فهل لوصلك من دوام
ذهلت ورد ولكن ديك الجن زاد في التحدي فقال لها:-
قولى لطيفك ينثني  =  عن مضجعي وقت الهجوع
كي أستريح وتنطفي  =   نار تأجج في الضلوع
دنف تقلبه الأكف   =   على فراش من دموع
أما أنا فكما علمت  =   فهل لوصلك من رجوع

وانتهت قصته مع ورد ، ليس بزواجهما فقط ، ولكن بقتلها ايضاً مع صديقه بكر بسيف واحد !

وكانت الحكاية بأن ديك الجن قام برحلة بعيداً إلى سلمية قاصداً أحمد بن علي الهاشمي وأقام عنده طلباً للمال كي يردَّ بعض ديونه المستحقَّة، وعندما لاحَ خبر عودته قام ابن عمِّه أبو الطيِّب بالإيقاع بينه وبين زوجته، فأعلمها بأن ديك الجن قد قُتلَ على الطريق، فسيطر عليها الحزن الشديد والكمد، وملأها الهم والحسرة.. وفي نفس الوقت أعلم أبو الطيِّب أحد أصدقاء ديك الجن واسمه (بكر) بنفس الخبر وطلب منه الذهاب إلى بيت صديقه كي يهدِّئ من روع زوجته (ورد).
ذهب بكر إلى بيت صديقه وشارك زوجته ورد في همِّها وكمدها وحزنها على زوجها، وأخذ بمواساتها وتهدئتها، ومع عودة ديك الجن سالماً إلى حمص، بعد سماعه أنباء مقلقة من دياره، فأراد التحقق من ذلك، أسرع إليه ابن عمِّه أبو الطيِّب وأخبره بوجود صديقه في بيت زوجته أثناء غيابه، بقصد غير شريف، وأنَّه كان يتردد إليها باستمرار.. فاستبدَّ الغضب بديك الجن ومضى هائجاً إلى بيته، وعندما تحقق من صحَّة ما رواه أبو الطيب، من وجود صديقه في بيته، شهر سلاحه وقتل زوجته وصديقه بسيفه

الكهولة فالشيخوخة/
ليس لدينا الكثير لنقوله عن هذه المرحلة من حياة ديك الجن. فقد هدأت العاصفة، وانقشعت غيوم الحادثة المعترضة في مسيرة حياته، بمصرع ورد، زوجته ومعشوقته التي كانت حُبَّه الصادق اليتيم؛ وعاود الديكَ الحنينُ إلى متابعة السير في دروب اللهو والمجون .
وفي ظنّي أنه لم يعد مندفعاً عنيفاً كأيام شبابه، فذكرى ورد، بجرحها الناغر، ونظراتها الزائغة، لا تفارقه. وما غرقه في اللهو والخمر إلا ضرب من التناسي أو النسيان. وأنّى له أن ينسى ؟
وهذه صورة من شريط حياته ينقلها لنا سعيدُ بنُ يزيدَ الحِمصيّ، الذي كان يتردد على ديك الجن، يكتب عنه شعره. لقد دخل عليه في أخريات أيامه وقد شابت لحيته وحاجباه وشعر يديه، وصبغ لحيته وحاجبيه، وبين يديه صينية الشراب، وهو يضرب بطنبوره، ويتغنى بشعر نفسه:


أقصيتموني مِنْ بعد فرقتكم = فَخَبِّروني عَلامَ إقصائي

عَذَّبني الله بالصُّدودِ ولا = فَـرَّجَ عنّـي همـومَ بَلْوائي

إنْ كنتُ أحببتُ حُبَّكُمْ أحداً = أو كان هذا الكلامُ مِنْ رائي

فلا تصدُّوا فليسَ ذا حسناً = أنْ تُشْمِتوا بالصُّدودِ أَعْدائي

ولعل القارئ يتعجب من كل هذه المساحة المفردة لقصة حياته ولكن العجب يزول حين يعرف انها واحدة من أغرب المآسي، وأشدّها فجيعة، في تاريخ شعراء العربية، بل هي فريدة في بابها، لم تضارعها أيّة مأساة معروفة، ولذلك تواترت روايتها في كتب التراث من عصر إلى عصر، وامتدت ذيولها حتى عصرنا الراهن. فلقد ذكرت في كل من
الأغاني للأصفهاني ، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر ، وفي وفيات الأعيان لابن خِلِّكان ، وفي الكشكول للعامليّ ، وفي تزيين الأسواق في أخبار العشاق لداود الأنطاكي

شعره:
عاش ديك الجن قمة الثقافة والازدهار الحضاري في العصر العباسي، وكان على الشاعر أن يكون مثقفاً، مُلِمّاً بفنون عصره وعلومه، ليتمكن من السير في زحمة حركات الإبداع والتجديد، وقد استطاع أن يكون واحداً من شعراء عصره المثقّفين المبدعين والمجدّدين. ولا يخفى على العارفين التطوّرُ الكبير الذي وصل إليه فنّ الموسيقى في زمنه، وما استتبعه من تطور في فنّ الغناء، وانتشار المغنيّن والمغنيّات من كلّ لون وجنس
وسنبدأ في التعرف على ديك الجن من خلال أشعاره


انتماؤه السياسي:
عايش ديكُ الجن العصرَ العباسيَّ الأول، هذا العصر المضطرب الفوّار الذي ظهر على ساحته العديد من الحركات الفكرية والسياسية
وكان شيعيا شعوبيا، وله مراث كثيرة في الحُسَيْن بن عليّ عليهما السلام، منها قوله :

يا عيـنُ لا للغَضَا ولا الكُثُبِ = بُكا الرَّزايا سوى بُكا الطَّرَبِ

وهي مشهورة عند الخاصّ والعامّ، ويُناح بها، وله عدّة أشعار في هذا المعنى
لقد وقف ديك الجن إلى جانب آل البيت مناصراً بلسانه وشعره، فكان واحداً من شعرائهم المخلصين. وقد قرأ تاريخ الدعوة الإسلامية، ووعاه جيداً، وتأثر بعلم الكلام كغيره من شعراء السياسة، فعرض الحقائق التاريخية بصيغة تتوافق مع مذهبه السياسي، واتكأ على المنطق والجدل لإقناع سامعيه، وكانت معظم معانيه تدور حول قطب واحد هو حق آل البيت في الخلافة، وكثيراً ما دفعه إخلاصه إلى تجريح ( الصّحابة ) والتهجّم على مواقفهم من عَلِيٍّ ( ر )، وكان أبو بَكْر وعُمَر ( ر ) أكثرهم تعرضاً لهجماته، لأنهما سبقا عليّاً في الخلافة، وهو القائل :

ما كان تَيْمٌ لهَاشِمٍ بأخٍ = ولا عَدِيٌّ لأحمدٍ بأبِ

قاما بدعوى في الظُّلم غالبةٍ = وحُجَّةٍ جَزْلَةٍ من الكَذِبِ

( ) تيم : رهط أبي بكر ( ر )، عديّ : رهط عمر بن الخطاب ( ر ).

الدين  :
إن تشيّع ديك الجن لا يعني أنه كان إنساناً متديّناً، مطبقاً لما أمر به الإسلام أو نهى عنه، لقد كان هناك انفصال تامّ بين انتمائه السياسي ومواقفه الدينية. يقول أبو الفرج على لسان ابن أخي ديك الجن : ” كان عمّي خَليعاً ماجناً مُعْتكفاً على القصف واللّهو
إن الدين يحرّم الخمر. وشعر الديك حافل بتصوير الخمر وشغفه بها ورَسْمِ صور ملوّنة لمجالسها .
وحسبنا قوله :

ألا إِسْقِنيها صَاحبي وخَلِيلي = شَـمولاً، وهلْ أَحْيا بغيرِ شَمُولِ ؟

والدين يحرم الزّنى، وشعره حافل بتصوير مغامراته مع النساء والغلمان. وحسبنا قوله :

حَـدُّ مـا يُنكـح عنـدي = حَيـوانٌ فيـه رُوحُ

على أن رقّة دينه لم تقف عند مخالفة الدين فيما نهى عنه من مُحرّمات، بل تجاوزت إلى العبادات التي تعطي الصورة الظاهرة لإيمان المسلم، فلم يكن يعبأ كثيراً أو قليلاً بالصلاة والصيام والحج، ولم يكن مدارياً، بل كان جريئاً متهوّراً في إبداء ذات نفسه، ولعل الأبيات التالية تفصح بوضوح فاضح عن موقفه من العبادات كلها. يقول :

أنا مالي وللصِّيـامِ وقد حا = نَ على المسلمين شهرُ الصِّيامِ

تاركـاً للجِهادِ والحَجِّ والعُمْـ = ـرَةِ والحِلِّ راغباً في الحَرامِ

وأكثر تشكك ديك الجن كان في اليوم الآخر والحساب، وعدم إيمانه بالقيامة والبعث، وقد تمرَّد على الوعاظ الذين يلاحقونه. فيقول:

هي الدنيا وقد نعموا بأخرى = وتسويف النفوس من السوافِ
فإن كذبوا آمنت وإن أصابوا = فإنَّ المبتلـيك هو المعـافي
وأصدق ما أبثك أن قلبي = بتصديق القيامة غير صافي

هذه التصريحات الواضحة منه ومن أمثاله، جعلت الناس أن تتهمه بالإلحاد. فحلَّت عليه اللعنة.
رغم مما تميَّز به شعر ديك الجن من رقة وجمال، فقد كان شعراً غنائياً خفيف الوزن، فيه سلاسة غريبة، وقد سيطرت على الشاعر اللذة الماديَّـة الجسديَّة
لقد عاش شبابه مغامرات متصلة، ولعلَّ من أبرز هذه المغامرات غرامه ببكر بن دهمرد (كما ذكر الأصفهاني في كتابه “الأغاني”) وبكر هذا غلام من أهل حمص تعشَّقَه ديك الجن واشتهر به، وكان جميلاً فاتناً. ومن أشهر ما قاله فيه وكان يجالسه في ليلةٍ قمراء:

دعِ البدرَ فَلْيَغْرُبْ فأنتَ لنا بـدرُ  = إذا ما تجلَّى من محاسنك الفجـرُ
وإمَّا انقضى سحرُ الذيـنَ ببابـلٍ = فطرْفُكَ لي سحرٌ وريقكَ لي خمـرُ
ولو قيل لي:قُمْ فادعُ أحسن من ترى = لصحتُ بأعلى الصوتِ يا بكرُ يا بكرُ

ولكن بكر لم يستجب كثيراً لديك الجن واستسلم لبعض المجََُّّانِ في متنزَّه (الميماس) على نهر العاصي بعد أن أسكروه، فقال فيه:

وثقتَ بالكَأس وشرَّابها = وحتفُ أمثالكَ في الكأسِ
وديرِ ميماسٍ ويا بُعدها = بين مغيثيكَ وميماسِ
تقطيعُ أنفاسكَ في أثرهم = ومَلْكِهم قَطَّعَ أنفاسي

ولم يَسْلَم أهلُ مدينته حمص من لسانه لمضايقتهم له وإنكارهم إفراطه في الخلاعة والمجون. فهجاهم:

سمعوا الصلاة على النبي توالى = فتفرَّقوا شِيعاًوقالوا: لا لا
يا أهلَ حمصَ توقَّعوا من عارها  = خِـزياً يحلُّ عليكم ووبالا

ولا بدَّ من ذكر ما قدَّمه ديك الجن للأدب العربي من عطاء ألا وهو مساهمته دون أن يدري بنشر وإغناء الشعر العربي بالموشحات والتي اشتهرت بأنها أندلسية، فقد بدأت بالشام وسُمِّيت (قدود) فيقال أنها بدأت بالشام على يد الوليد بن يزيد وابن سناء الملك وبديك الجن الحمصي.
فالموشَّح إذن ولد في غوطة دمشق قبل أن ينتقل إلى غوطة غرناطة ومتنزهات الوادي الكبير في قرطبة، وبعد أن بدأ على يد الخليفة الأموي الشاعر الوليد بن يزيد، بدأ ينمو في حمص على ضفاف العاصي على يد الشاعر العِربيد ديك الجن الحمصي وأقرب قصائده الغنائية للموشحات هي:

قولي لطيف ينثني = عن مضجعي عند المنام
عند الرقـاد عند الهجـوع عند الوسن
فعسى أنـام فتنطفئ = نار تأجج في العظام
في الفؤاد في الضلوع في الكبود في البدن

وسؤال يفرض نفسه على الساحة ، أين يقف ديك الجن بين شعراء عصره ؟ يمكننا القول إن ديك الجن كان قامة طويلة، لا تقلّ طولاً عن كبار شعراء العصر العباسي، من أمثال أبي تَمّام، وأبي نُواس، والبُحتري، ودِعْبِل الخُزاعيّ، ومن في طبقتهم من الشعراء الروّاد المجدّدين، وإن الاهتمام الواسع الذي لقيه شعرُه من النقاد في زمنه، وماتلاه، دليل كبير على مكانته الشعرية، إذ قلّما يخلو كتاب من كتب التراث، من خبر عنه، أو حكم نقدي، لـه أو عليه
وقيل فيه

في الأغاني : ” وهو شاعرٌ مُجيدٌ، يذهب مَذْهَبَ أبي تمّام والشّامِيّين في شعره. ا هـ .
في العمدة : ” وأبو تمّام من المعدودين في إجادة الرّثاء، ومثله عبدُ السلام بنُ رَغْبان، ديكُ الجن، وهو أشهر في هذا من حَبيبٍ، وله طريق انفرد بها. ا هـ .
وفي معرض حديثه عن الشعراء الذين طغت عليهم شهرة أبي تمام، يقول ابن رشيق : ” وديكُ الجنّ، وهو شاعر الشّام، لم يذكر مع أبي تمّام إلا مجازاً، وهو أقدم منه، وقد كان أبو تمّام أخذ عنه أمثلة من شعره، يحتذي عليها، فسرقها. ا هـ .
في فصول التماثيل : ” ومما ينضاف إلى ذلك من مليح كلام شاعر الشّام، وهو عبدُ السلام ابنُ رَغْبَان، ديكُ الجن، قوله في صفة الخمر. ” ا هـ. ولم يصرّح ابن المعتز باسم ديك الجن سوى هذه المرّة، ثم كان يكتفي بلقب ( شاعر الشام ) عندما يعرض شعره، مما يدّل على اشتهاره بهذا اللقب.
في ثمار القلوب : ” هو عبدُ السلام بن رَغْبان الحمصي، شاعر مُفْلِق في المحدَثين ” ا هـ .
في كفاية الطالب : ” وديكُ الجن، عبدُ السلام بن رغبان، أشهر من حَبيب في الرثاء، وله طريقة انفرد بها ” ا هـ.

هذا المقال هو اختصار وتجميع من المصادر الآتية:
دراسة ديك الجن الحمصي / إعداد: يوسف السيد احمد
ديوان ديك الجن الحمصي /   تحقيق ودراسة مظهر الحجي

بقلم الشاعر/ عمرو صبحي

3 تعليقاً

الشاعر الطموح .. امرؤ القيس ملكًا!

نعم! ..هو الطموح في الحب والحرب والمجد .. وهو ملك الشعراء وقائدهم!، وهذا اللقب الأخير لم يستطيع المؤرخين أن ينسبوه لشاعر جاهلي غيره .. لأن الذي أطلقه عليه هو الرسول عليه السلام!

وهو رجل ما يزال محسودًا حيًا وميتًا من الشعراء، وسيظل محسودًا إلى يوم القيامة، ولن يستطيع أحد أن يقلل من مكانته شيئًا .. لأن هذه المكانة محفوظة له بقول الرسول عليه السلام أيضًا، وتلك المقولة النبوية التي تحمي تراث امرئ القيس ومكانته في الدنيا تقول “ذاك رجلٌ (يعني امرأ القيس) مذكور في الدنيا شريف فيها، منسي في الآخرة خامل فيها”

وهو شريف في الدنيا لأنه أتى بما لم يجئ به الشعراء قبله، وفتح لهم باب الشعر على آخره، وهو كما قال فيه عمر بن الخطاب “سابق الشعراء وهو الذي حفر لهم عين الشعر”، والعين هي ينبوع الماء العذب الجميل، وكذلك كانت جولاته وفتوحاته في عالم الشعر .. فامرؤ القيس دخل الدنيا من أوسع أبوابها ولكن لم يكن له مثل هذا الحظ في الآخرة! .. للأسف!

وهو ملك تعيس .. أو شبه ملك، وكان من الممكن جدا أن يكون ملكا مكرما مثل أبيه وجده، ولكن جرت الرياح على طموحاته الملكية فحطمتها، فجد امرئ القيس كان ملكًا على العرب، وأبوه كان ملكا أيضًا على قبيلة “بني أسد” وقبيلة “غطفان”، وله حكاية، ففي يوم رفضت بنو أسد أن تدفع لوالده ما تدفعه القبائل عادة لأمرائها وملوكها، فغضب والد امرئ القيس بشدة .. فسار إليهم وضرب عدد من كبرائهم بعصا كانت في يده حتى قتلهم بالعصا! .. مجرد العصا!،وعيّرهم وسخر منهم بذلك فيما بعد ابنه امرؤ القيس وسماهم بـ”عبيد العصا”، فيه بيت له يقول فيه:

قولا لدُودانَ عبيد العصا =ما غرَّكمْ بالأسدِ الباسلِ

و(دُودان) هذه إحدى قبائل بني أسد التي التصق بها للأبد لقب (عبيد العصا)، وأما الأسد الباسل فيقصد به امرؤ القيس أباه القتيل، وذلك لأن الأحداث بعد ذلك انتهت بثورة بني أسد على أبيه فطعنوه وهو نائم، إلا أن الطعنة لم تقتله وأبقت فيه رمق أخير ليوصى بوصيته وهي نقل خبر قتله إلى أولاده، فمّن يجزع ويبكي منهم فليس بأهلٍ لما تضمنته الوصية!

وقام بتلك المهمة أحد رفاق والده، فذهب إليهم واحدا واحدا، بدءًا من أكبر الأبناء إلى أصغرهم، وكان أصغرهم امرؤ القيس، وكان هو الوحيد الذي لم يبك أو يجزع عندما سمع خبر مقتله!، ولهذا الموقف قصة أخرى نقلها لنا التاريخ، فهو عندما أقبل رفيق والده لينعي له والده وجده يلعب مع زميل له النرد (لعبة الطاولة)، وبجانبهم كؤوس الخمر، فقال له أن أباك قُتل!، وتوقفت حركات النرد بين اللاعبين، فأما الذي أوقف لعبة الطاولة فهو زميله ونديمه الذي كان يلاعبه!، أما امرؤ القيس نفسه لم يلتفت للرجل ولم يهتم، وإنما أثار اهتمامه توقف صاحبه عن اللعب، فأشار له أن يرمي النرد ليكمل الدور!، ثم لما انتهى دور الطاولة سأل عن كيفية مقتله، وعرف ما تضمنته الوصية وهو أخذ ثأر أبيه واسترداد ملكه، وأنه هو المختار لتلك المهمة!

وعندما عرف امرؤ القيس أنه ذلك المختار، قال قولته الشهيرة “ضيعني أبي صغيرا وحمّلني دمه كبيرًا”، أما قوله ضيعني صغيرًا فذلك لأن أباه ضاق بشده ميل ابنه الصغير إلى النساء وكثرة التشهير بهم في شعره بين الناس، فزهق واستشار أصحابه في أمر أبنه الدنجوان الصغير، فقالوا له اجعله يرعي إبلك حتى يكون في أتعب عمل فيشغله ذلك عن ذكر النساء!، وهذا ما فعله أبوه فلم يفلح معه، إلى أن ضاق به وضاق به امرؤ القيس كذلك فرحل عنه وتصعلك مع صعاليك العرب إلى أن أتاه خبر مقتله!، أعرفت الآن لماذا لم يجزع عندما سمع خبر مقتله؟!

نعود إلى امرئ القيس، فهو عندما قال قولته الشهيرة، توقف قليلا ثم قرر في حسم أنه لن يشرب خمرا أو يأكل لحما ولن يغسل رأسه إلى أن يدرك ثأر أبيه وينتقم له!، فاليوم خمرٌ وغدًا أمرٌ، مثلما قال!، ومن هنا يبدأ محاولته لاسترداد ملك أبيه إلى أن يموت وحيدا في أرض أنقره، بعد أن لبس ثوبا منسوجا بالذهب المغموس في السم القاتل أهداه إليه قيصر ملك الروم غدرًا منه بعد أن لعب الحاقدين والحاسدين دور في ذلك، فيموت امرأ القيس بعد أن انتشرت في جسده القروح وتساقط في الطريق ألف قطعة!، ليموت غريبا عن أهله ووطنه وملكه ونساء قبيلته والقبائل المجاورة! .. وبعيدا عن الخمر والماء والأصحاب، ويروي أنه عندما كان يحتضر رأى قبر امرأة فقيرة ماتت هناك، فتأمل القبر وحنّ به الشوق مرة أخيرة إلى النساء فقال في احتضاره الأخير بنغمة حملت كل حزن وحسرة العالم:

أجارتنا إن المزارَ قريبُ = وإني مقيمٌ ما أقام عسيبُ

أجارتنا إنا غريبان ههنا = وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ

فإن تصلينا فالقرابة بيننا = وإن تَصْرمينا فالغريب غريبُ

وامرؤ القيس لم يمت مهزومًا تمامًا، فهو قد ربح عدوة جولات من حرب استعادة ثأره، وانتقم من بعض قتلة والده، ونظم في ذلك قصيدة قال فيها:

حَلّتْ ليَ الخَمرُ وَكُنتُ أمْرَأً = عَنْ شُرْبهَا في شُغُلٍ شَاغِلِ

فَاليَوْمَ أُسْقَى غَيرَ مُسْتَحْقِـبٍ = إثمـاً مـن الله ولا واغـلِ

فيوم ربحه لهذه الجولة في الحرب رجع إلى عادته القديمة في شرب الخمر وأكل اللحم والاستحمام!، إلا أنه عند استئناف الحرب وتطوراتها عاند القدر امرأ القيس، فانهزم وحيدا غريبا مسموما مليئا بالقروح.

وأنا لم أبالغ عندما ذكرت ميله الشديد إلى النساء، فمثلا هناك قصة عجيبة تقول أنه أقسم أن لا يتزوج امرأة حتى يسألها عن مسألة واحدة، وهذه المسألة هي (ما هي ثمانية وأربعة واثنتين)، فكان لا يسأل النساء إلا وسمع هذه الإجابة: (أربعة عشر)، ويقصدن بذلك أن هذه الأربعة عشر هي مجموع هذه الثمانية والأربعة والاثنين!، وهو لا يقصد ذلك وإنما يريد به شيء آخر في بطن الشاعر، إلى أن وجد غايته أخيرًا، فلقد قابل فتاة أحلامه التي أجابت بشكل صحيح على هذا السؤال وقالت: “أما الثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأخلاف الناقة، وإما إثنتان فثديا المرأة!”، فعندما قالت ذلك خطبها من أبيها على الفور!

فهذا السؤال الماكر ربما قصد به امرؤ القيس معرفة أول ما يخطر على المرأة، فكانت إجابة هذه الفتاة الجميلة شيء متعلق بالجنس ومواضع الشهوة في الإناث، فأعجبه ذلك منها!، وتوجد قصة أخرى أكثر وضوحًا تقول أنه رغب ذات يوم أن يرى حبيبته عارية!، فتتبعها حتى إذا ما نزلت مع صواحبها إلى غدير ماء ليستحمن فيه، وخلعن ملابسهن، فركض إليهم وخطف ملابسهن ورفض أن يعطيهن شيئا إلا بعد أن يخرجن من غدير الماء كما خلقتهن أمهاتهن!، وهذا ما حصل!

ولا تدع الأمر يدهشك، فأنه قيل إذا قررت أن لا تقرأ إلا للشعراء ذي الأخلاق الحميدة فسيصعب عليك أن تجد أحد وربما ستجد فقط من بين كل ألف ديوانٍ ديوانًا واحدا!، وهذه القصة أبلغ رد على من يزعمون أن الشاعر هو الذي حُسنتْ أخلاقه!، فأمامهم امرؤ القيس والفرزدق وأبو نواس وبشار بن برد وعمر بن أبي ربيعة وقائمة طويلة من شعراء اشتهروا بسوء الأخلاق واشتهروا أيضًا بمستوى يصل إلى حد الإعجاز في الشعر، أما من يطلب شرط أن يكون الشاعر حسن الأخلاق فهؤلاء سيجدون غايتهم في الفقهاء المتشاعرين فقط وقليلا من الآخرين ممن رحم ربي!

نحن نحبّ شعر امرئ القيس، ولا نحب كل أخباره، وهو نفسه يعترف ببعض من سوء خلقه، فيقول في معلقته:

أفاطمُ مهلا بعض هذا التدللِ =وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرمي فأجملي!
وإن تكُ قد ساءتك مني خليقةً =فسُلّي ثيابي من ثيابكِ تنْسُلِ
أغرّك منّي أنّ حُبّكِ قاتلي =وأنك مهما تأمري القلب يَفعلِ

ففي هذه الأبيات يظهر أثر زير النساء الشاب، فهو قبل هذه الأبيات ذكر قصة الغدير إياه، وذكر قصة أخرى عبث فيها معها بشكل فاضح، وبعد أن ذكر هذه القصص المشينة لم يعجبه تجنب حبيبته له بسبب أخلاقه تلك مع النساء، فامتنعت مثلا عن الكلام معه، فحسب أنها لم تمتنع ربما إلا على سبيل الدلال الذي يعرفه في النساء، فقال لها مهلا يكفني بعض هذا التدلل، وإن كان هذا ليس تدللا منكِ وإنما هي هجرة بيني وبينك فيا ليت أن تهجريني بشكل أحسن وأجمل قليلا!، ثم ذكر في البيت الثاني أنه إن كان السبب هو أخلاقه السيئة، وهي كذلك بالفعل!، فانزعي قلبي من قلبك لكي يرحل عنكِ، فالثياب هنا بمعنى القلب، وهو يقصد بذلك استعطافها بمعنى أن نزع قلبه من قلبها سيؤدي إلى وفاته، بمعنى آخر أنه لا يريدها أن ترحل، وقوى هذه المعنى في البيت الثالث بقوله:
أغرّك منّي أنّ حُبّكِ قاتلي = وأنك مهما تأمري القلب يَفعلِ

فهذا أقصى الاستدراج لها في أن تعود إليه بالرغم مما فعله ويفعله!، ألم أقل لكم أنه زير نساء من الطراز الأول، وشريف في الدنيا وخامل في الآخرة!، أنه لم ينال هذه المرتبة عبثًا!

ونحن مازلنا نحب إعجاز امرئ القيس في أول أبيات معلقته:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ = بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ

فهو في ذلك البيت ذكر الأطلال ووقف عليها وبكى واستوقف صاحبيه واستبكاهم وذكر الحبيب، وكل هذا في نصف بيت!

فيا أصحاب .. قفوا نبك من ذكرى حبيبٍ قد غادر الدنيا وما فيها من نار الغربة والمرض والقهر، غادرها وذهب إلى نار الآخرة، فمن نارٍ إلى نارٍ، ولا عجب .. أليس هذه هي قصة العبقرية في كل مكان حين تقترن بقليلٍ من الجنون وكثيرا من الطموح؟

بقلم الشاعر/ أحمد عبد المعطي

4 تعليقاً

امرؤ القيس

نسبه:
هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر بن معاوية بن ثور بن كندة. شاعر جاهلي يعد أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد. كان أبوه ملك قبيلتيْ أسد وغطفان، وأمه هي فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير، أخت كليب و المهلهل أبنيْ ربيعة التغلبيين.

مولده ووفاته:
ولد حوالي سنة 500 من الميلاد، وتوفى سنة 540م في أنقرة

حياته:
قيل أن امرأ القيس هو أول من عمد إلى ذكر الوقائع في شعره، وأول من وصف النساء بالظباء والمها، وأول من استوقف الأصحاب على الأطلال واستبكاهم وذلك في قوله (قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ)، وقال بعض العلماء بالشعر : إن امرأ القيس لم يتقدم الشعراء ولكنه سبق إلى أشياء فاستحسنها الشعراء واتبعوه فيها فهو أشعر شعراء الجاهلية .

وقيل في حقه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: امرؤ القيس بيده لواء الشعراء،كما في مزهر اللغة للسيوطي، وعن عمر بن الخطاب: سابق الشعراء وهو الذي حفر لهم عين الشعر.

ونشأ امرؤ القيس منذ الصغر على ما تنشأ عليه أبناء الملوك لأن أباه كان ملكا على قبليتيْ أسد وغطفان، فتعلم الفروسية ووسائل النجدة والشجاعة وكان يتردد على أخواله في بني تغلب فتعام الشعر من خاله : امرئ القيس بن ربيعة الملقب بالمهلهل.

وقالوا أنه قال الشعر وهو غلام، وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ ذلك أباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته، فأبعده إلى حضرموت موطن أبيه وعشيرته، وهو في نحو العشرين من عمره. أقام زهاء خمس سنين، ثم جعل يتنقل مع أصحابه في أحياء العرب، يشرب ويطرب ويغزو ويلهو، إلى أن ثار بنو أسد على أبيه فقتلوه، فبلغه ذلك وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي! ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً، لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليوم خمر وغداً أمر. وذهب إلى المنذر ملك العراق، وطاف قبائل العرب حتى انتهى إلى السموأل، فأجاره ومكث عنده مدة، ثم قصد الحارث بن شمر الغساني في الشام، فسيره الحارث إلى القسطنطينية للقاء قيصر الروم يوستينياس، ولما كان بأنقرة ظهرت في جسمه قروح نتيجة غدر قيصر الروم به وبعثه إليه بثوب مسموم فتساقط جسمه وامتلأ بالقروح إلى أن مات ودفن فيها ولقّب بذلك ( بذي القروح).

شعره:
هو صاحب المعلقة الشهيرة التي بدأت بهذا الشطر:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
وقالوا أن من إعجاز هذا الشطر هو أنه بكى الأطلال واستوقف واستبكى وذكر الحبيب .. وكل هذا في شطر بيت!

ومن أبيات المعلقة تلك الأبيات:
ولَيْلٍ كموجِ البحر أرخى سُدوُلَهُ = علـيَّ بأنـواع الهمـوم لِيَبْتَـلي
فقلتُ له لمـا تَمَـطّى بـجَوزِهِ = وَأردَفَ أعـجازاً ونـاءَ بِكَلْـكَلِ
ألا أيها الليلُ الطويـلُ ألا أنْجَلِ = بصبح ومـا الإصْبَاحُ مِنـْكَ بِأَمْثَلِ
فيالَكَ من ليل كـأن نُـجُومَهُ =
بكل مُغَارِ الـفَتـْلِ شـدت بِيَذْبُلِ

ويشرح الشرّاح ما يقصده من تلك الأبيات فيقول على لسانه نثرا: أنه قد أحاط بي الليل المظلم وأضفى عليَّ الستور فلا أرى شيئاً، فكأن قطع ظلمته أمواج البحر الهائلة، وعندما حجب الرؤية عن عيني أخذت الهموم تنتابني من كل جانب ولكني صبرت لها.
ولقد خاطبت الليل عند ما أخذ يمدد جسده؛ فتارة يعرض ظهره وأخرى يجعل عجزه يتبع أوله وثالثة يحاول النهوض والزوال فلا يستطيع، خاطبته قائلاً: انكشف وزل أيها الليل الطويل واترك الصبح يظهر فيريحني، ثم رجعت إلى نفسي فعرفت أن همَّ الصبح يماثل همّ الليل. إنني أبدي عجبي منك أيها الليل؛ فكأن نجومك ثبتت في أماكنها لا تبرحها وكأنها ربطت بحبال قوية في جبل (يذبل)


ومن أوضح ما قيل في أسلوبه بصفة عامة قولهم:
إنه إذا نظرنا إلى تقدم زمن امرئ القيس عذرناه في قوة أسلوبه وانتقاء الألفاظ الغريبة التي تحتاج منا في عصرنا هذا إلى إن نبحث عنها في المعاجم مثل (تمطى، جوزه، كلكل، مغار، مصامها، وكناتها، الصفواء، أيطل، تتفل، صرة) وامرؤ القيس يستعمل الألفاظ الغليظة أحياناً مثل (تمطى، كلكل، هيكل، مرجل، أيطلا) ولكن مهارة الشاعر في حسن استعمال هذه الألفاظ أخفت الجفاء الذي يتوقعه القارئ أو السامع منها؛ حيث مزجها بالألفاظ السهلة والرقيقة فكون لنا تراكيب متينة متقنة الصنع؛ فقوله: (وأردف أعجازاً وناء بكلكل) متكون من تركيبين ربط بينهما بالواو ربطاً قوياً فقبلت كلمة (كلكل) لأن الكلمات الأخرى ليست في قوتها وغلظتها فجاءت مقبولة وأدت دورها في قوة التركيب ومن ثم في قوة الأسلوب.

وتراكيب الشاعر خالية من التعقيد أو الضعف الذي ينشأ من حشو البيت بتراكيب تتممه، فالشاعر لا يأتي بالتركيب إلا والحاجة إليه ماسة، ولذلك فإن ألفاظ الشاعر وتراكيبه تبدو عليها الأصالة، والشاعر يستخدم التشبيه كثيراً في أسلوبه مثل قوله: (وليل كموج البحر)، وقوله: (مكر مفر مقبل مدبر معاً – كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ)، وغير ذلك كثير، وهو يهدف إلى تقريب معانيه إلى المستمع عن طريق التشبيه؛ فالتشبيه يوضح الصورة التي يريدها الشاعر ويقربها، وامرؤ القيس ماهر في صنع الصور الخيالية؛ فالليل صوره في صورة حيوان وهمي؛ له ظهر وعجز وكلكل، وحصانه قطعة حجر دحرجها السيل من عل، والخلاصة: أن أسلوب امرئ القيس هو الأسلوب الرائد للشعراء؛ فقد اقتفوا سبيله واتبعوا طريقه ولولا تمكن الشاعر من فنه لما اقتفاه الشعراء وقلّدوه في أسلوبه.

ومن قصائده التي قالها عند إحدى انتصاراته على أعدائه الذي قتلوا والده:
يَـا دَارَ مَاوِيّـة َ  بِالحَائِـلِ  = فَالسَّهْبِ فَالخَبْتَينِ من   عاقِـل
صَمَّ صَدَاهَا وَعَفَـا رَسْمُهَـا = واسعجمت عن منطق السائل
قولا لدودانَ عبيـد   العصـا = ما غركم بالاسـد    الباسـل
قد قرتِ العينانِ من    مالـكٍ = ومن بني عمرو ومن    كاهل
ومن بني غنم بـن دودان إذ  = نقذفُ أعلاهُم على  السافـل
حَلّتْ ليَ الخَمرُ وَكُنتُ    أمْرَأً  = عَنْ شُرْبهَا في شُغُلٍ    شَاغِلِ
فَاليَوْمَ أُسْقَى غَيرَ   مُسْتَحْقِـبٍ =  إثمـاً مـن الله ولا  واغـلِ


والأبيات بعد المقدمة التي ذكرت الأطلال والمواقع ودار الحبيب، ذكرت بأن عيناه قرّت بعد أن ثأر لدم والده وذكر أسماء الذين قتلهم، ثم قال أن الخمر حلّت له لأنه أقسم أنه لن يذوق طعمها إلا بعد الثأر.

ومن أشعاره قوله عندما لجأ لقيصر الروم لكي يستعديه على قتلة والده:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه = وأيقن أنـَّا لاحقان بقيصرا
فـقـلـتُ لـه: لا تـبـكِ عـيـنـكَ إنـمـا = نحاول مُلكاً أو نموت فنعذرا

ومن أشعاره تلك القصيدة التي ذكر الرواة أنه قالها عند وفاته بأنقرة وقد أبصر قبر امرأة غريبة فقال:


أجَـارَتَنـا إِنَّ الخُطُـوبَ تَنـوبُ = وإنِـي مُقِيـمٌ مَا أَقَـامَ عَسِيـبُ
أجـارَتَنـا إنّـا غَرِيبَـانِ هَهُـنَا = وكُلُّ غَرِيـبٍ للغَريـبِ نَسِيـبُ
فـإنْ تَصِلِينَـا فَالقَـرَابَـةُ بَيْنَنـا = وإنْ تَصْرِمِينَـا فالغَريـبُ غريـبُ
أجارَتَنَا مَا فَـاتَ لَيْـسَ يَـؤوبُ = ومَا هُـوَ آتٍ فِي الزَّمـانِ قَرِيـبُ
ولَيْسَ غريبـاً مَن تَنَـاءَتْ دِيَـارُهُ = ولَكنَّ مَنْ وَارَى التُّـرَابُ غَريـبُ

بقلم الشاعر/ أحمد عبد المعطي

2 تعليقاً